في زمنٍ تختلط فيه السياسة بالشعارات، تأتي الأرقام لتعيد النقاش إلى أساسه الصحيح. فالدراسات الإحصائية لا تكتفي بالانطباعات، بل تكشف أين يتقدم الفعل على القول، وأين يتحول الحضور السياسي إلى أثر ملموس.
وفي هذا السياق، جاءت نتائج الدراسة الإحصائية التي تناولت أداء النواب في بيروت الثانية لتضع النائب فؤاد مخزومي في موقع متقدم في عدد من المؤشرات الأساسية، بما يعكس حضوراً متنوعاً لا يقتصر على الجانب البرلماني، بل يمتد إلى السياسة والدبلوماسية والتواصل الدولي والخدمة العامة.
أولى الدلالات البارزة تتمثل في تصدّر مخزومي مؤشر النشاط السياسي بنسبة 21 في المئة، متقدماً على سائر الأسماء الواردة في الدراسة. وهذه النتيجة ليست تفصيلاً عابراً، لأن النشاط السياسي الحقيقي لا يُقاس بالظهور الإعلامي وحده، بل بالقدرة على الحضور في الملفات الوطنية، وصوغ المواقف، والتفاعل مع التطورات، والمشاركة الفاعلة في النقاش العام.
لكن الأهم أن هذا التقدم لم يكن محصوراً في مؤشر واحد. ففي مجال النشاط التشريعي، حلّ مخزومي في المرتبة الأولى بنسبة 31 في المئة، مقابل 11 في المئة للثاني و8 في المئة للثالث. وهذه النسبة تكشف أن صورته لدى المستطلعين ترتبط مباشرة بجوهر العمل النيابي: التشريع، والمناقشة، والمبادرة، وممارسة الدور الرقابي داخل المؤسسة الدستورية.
وإذا كان العمل البرلماني يشكل أساس المهمة النيابية، فإن اللافت أيضاً هو اتساع صورة مخزومي لتشمل البعد الخدماتي والإنمائي.
فقد تصدّر هذا المؤشر بنسبة 33 في المئة، متقدماً بفارق واضح على سائر الأسماء. وهنا تبرز أهمية هذه النتيجة في بلدٍ غالباً ما يُنظر فيه إلى النائب من خلال قدرته على التفاعل مع حاجات الناس اليومية، ومتابعة الملفات التي تمس حياتهم، وتحويل الموقع النيابي إلى مساحة فعل ومبادرة لا مجرد موقع تمثيلي.
إن اجتماع هذه المؤشرات الثلاثة — 21 في المئة في النشاط السياسي، و31 في المئة في النشاط التشريعي، و33 في المئة في النشاط الخدماتي — يرسم صورة متكاملة لنائب لا يحصر دوره في مجال واحد، بل يجمع بين السياسة والعمل البرلماني والخدمة العامة ضمن حضور متوازن.
وتزداد أهمية هذه الصورة عند الانتقال إلى مجال التواصل الدولي، حيث حلّ مخزومي في المرتبة الأولى أيضاً بنسبة 23 في المئة في مؤشر النشاط على مستوى التواصل مع القوى الدولية. وهذه النتيجة تعكس بُعداً مهماً في شخصيته السياسية، خصوصاً في بلدٍ كلبنان، حيث لا يمكن فصل الملفات الوطنية عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة به.
فالدبلوماسية البرلمانية لم تعد ترفاً أو نشاطاً بروتوكولياً، بل أصبحت جزءاً أساسياً من العمل الوطني. والنائب الذي يستطيع أن يكون حاضراً في الداخل، وأن يشرح قضايا بلده في الخارج، وأن يفتح قنوات التواصل مع المؤسسات والجهات الدولية، يضيف إلى دوره النيابي بعداً يتجاوز حدود الدائرة الانتخابية.
وفي مؤشر النشاط الدبلوماسي، جاء مخزومي أيضاً في موقع متقدم بنسبة 14 في المئة، في حين بلغت نسبة عدم الإجابة 22 في المئة. وهذه الأرقام تؤكد أن المجال الدبلوماسي لا يزال من المجالات التي تحتاج إلى مزيد من الحضور والتعريف، إلا أن تقدم مخزومي فيه يعكس أن اسمه بات مرتبطاً لدى شريحة من الرأي العام بالحضور الخارجي والعلاقات الدولية.
أما في مجال النشاط الاجتماعي، فقد حلّ مخزومي في المرتبة الأولى بنسبة 13 في المئة، بما يؤكد أن صورته العامة لا تنحصر في المؤسسات السياسية والبرلمانية، بل تمتد إلى المجال المجتمعي أيضاً.
وعند جمع هذه النتائج، يصبح من الصعب النظر إلى أداء فؤاد مخزومي من زاوية واحدة. فالدراسة لا تقدمه باعتباره صاحب حضور في مجال منفرد، بل تكشف عن نموذج متعدد الأبعاد: سياسي في مواقفه، برلماني في أدائه، تشريعي في عمله، خدماتي وإنمائي في حضوره، ودبلوماسي في انفتاحه على الخارج.
ولعل النتيجة الأكثر دلالة هي أن مخزومي جاء في المرتبة الأولى في مؤشر الأداء الأفضل بشكل عام بنسبة 24 في المئة.
وهذه النتيجة، حين تُقرأ إلى جانب تصدره مؤشرات النشاط السياسي والتشريعي والخدماتي والتواصل الدولي، تعطي صورة متماسكة عن سبب تقدّم تقييمه العام، وعن طبيعة الحضور الذي استطاع أن يرسخه في الوعي العام.
إن قيمة هذه التجربة لا تكمن فقط في الأرقام، بل في النموذج الذي تعكسه. فالعمل النيابي الناجح لا ينبغي أن يكون مجرد حضور موسمي أو خطاب انتخابي، بل مساراً مستمراً يجمع بين التشريع والرقابة، وبين التواصل مع الناس والانفتاح على العالم، وبين الموقف السياسي والعمل الإنمائي.
ومن هذه الزاوية، يقدم فؤاد مخزومي نموذجاً جديراً بالتوقف عنده في الحياة البرلمانية اللبنانية. نموذج نائب يجمع بين الموقع السياسي والفعالية البرلمانية، وبين العلاقات الدولية والاهتمام الإنمائي، وبين الحضور الوطني والعمل المؤسساتي.
وفي بلدٍ يحتاج إلى استعادة الثقة بالسياسة وبالمؤسسات، يصبح وجود نماذج قابلة للقياس والمقارنة أمراً بالغ الأهمية. فالأرقام لا تصنع النجاح وحدها، لكنها تساعد في كشفه، وتمنح الرأي العام معياراً يتجاوز الانطباعات.
وحين تتقاطع نتائج الدراسة في أكثر من مجال، وتضع فؤاد مخزومي في صدارة مؤشرات أساسية، فإن الرسالة تتجاوز شخص النائب نفسه: العمل البرلماني يمكن أن يكون فعلاً وطنياً متكاملاً، حين يجتمع الحضور السياسي مع التشريع، والخدمة مع الإنماء، والدبلوماسية مع الدفاع عن صورة لبنان ومصالحه.
وهذا تحديداً ما يجعل تجربة فؤاد مخزومي نموذجاً يستحق الدراسة والاقتداء، ونموذجاً يمكن أن يُحتذى في العمل البرلماني والوطني اللبناني.