في معرض قراءتها للواقع النقدي الذي حدده حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في مواقفه الأخيرة حول سياسات الحكومات المتعاقبة على صعيدي المال والإصلاح، كما تطورات الأوضاع المصرفية، ترى أوساط إقتصادية أن الظروف التي حكمت المشهد العام سياسياً ومالياً في المرحلة الماضية، قد رسمت أدواراً بعيدة من الأدوار الفعلية للمصرف المركزي ولوزارة المال كما للقطاع المصرفي.
ومع اندلاع حرب 2024 ثم الحرب الحالية، تكشف هذه الأوساط لموقع LebTalks أن المهمة الفعلية لمصرف لبنان باتت تتركز على الحفاظ على وظائف النقد الأساسية: تأمين القدرة على الدفع، توفير حد أدنى من السيولة في الأسواق، وضمان استمرار قنوات التحويلات من الخارج، علماً أن هذه المهمة المعقدة، ليست جديدة، بل رافقت كل حقبة التعطيل السياسي وتأجيل الإستحقاقات على أنواعها.
بالتوازي، فإن اقتصاد لبنان الذي يعتمد بشكل واسع على الدولار، يسوده واقع غير شرعي ومن الصعب مراقبته، أدى إلى وجود كتلة كبيرة من النقد بالدولار خارج النظام المصرفي، وهو ما ساهم في الضغط على قدرة لبنان على مواجهة تحدي الخروج من اللائحة الرمادية التي أدرجته عليها مجموعة العمل المالي، فيما يصنفه الاتحاد الأوروبي ضمن الدول عالية المخاطر.
وتقول الأوساط إن هذه التصنيفات تفرض على المصارف والمؤسسات المالية العالمية إجراءات تدقيق أكثر صرامة عند التعامل مع لبنان، ما يهدد بتقييد تدفقات الدولار التي يعتمد عليها الاقتصاد.
وبالتالي، فإن أي تراجع في الثقة بقدرة لبنان على مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب قد يؤدي إلى تقليص هذه العلاقات مع النظام المصرفي العالمي أو حتى قطعها، ما يفتح الباب أمام سيناريو العزل المالي.
من هنا، فإن المصرف المركزي كما الحكومة، أمام تحديات عدة، إذ تعتبر الأوساط أنه لم يعد مطلوباً منها فقط تحقيق الاستقرار الداخلي، بل أيضاً استعادة الثقة الدولية في نظام الامتثال اللبناني، فيما تبدو سياسة الإنكار أو الاكتفاء بالنأي بالنفس غير كافية، وقد تدفع نحو عزلة أعمق من تلك التي تعكسها التصنيفات الحالية، خصوصاً وأن اعتماد لبنان على الدولار يضعه بدوره أمام معادلة هشّة، إذ يبقى الوصول إلى هذه العملة رهناً بثقة النظام المالي الدولي.