وسط تقاطع ضغوط ميدانية ورسائل دولية لا تترك مجالاً واسعاً للمناورة، حيث يفيد مسؤول مشارك في أعمال اللجنة الأمنية المعروفة بالميكانيزم بأن مخازن السلاح الواقعة جنوب الليطاني لم تسلم إلى الجيش اللبناني، في ظل غياب أي تعاون فعلي من جانب الحزب في تلك المنطقة، ما يضع علامات استفهام كبرى حول حقيقة ما يُسوق عن التزام أو تجاوب ميداني.
في هذا السياق، تؤكد مصادر مطلعة على عمل لجنة الميكانيزم لـLebTalks أن الحديث عن تعاون جزئي أو محدود لا يستند إلى وقائع ثابتة، إذ إن ما كُشف من مخازن وأنفاق لم يكن نتيجة مبادرة ذاتية، بل حصيلة رصد استخباراتي إسرائيلي جرى إبلاغ "الميكانيزم" به لمعالجة الوضع، وفي الحالات التي لم تُعالج جرى استهدافها مباشرة، أما ما قدّم على أنه تسليم طوعي فاقتصر على مخازن فارغة لا تحمل أي قيمة عسكرية حقيقية، بما يؤكد أن الحزب لم يُقدم يوماً على خطوة جدية باتجاه تسليم سلاحه.
ويشير إلى أن ما حصل جنوب الليطاني منح انطباعاً مضللاً بوجود تعاون، فيما الوقائع الميدانية تثبت عكس ذلك، بدليل استمرار وجود أنفاق ومخازن حتى الساعة، يضاف إلى ذلك المواقف العلنية الصادرة عن قيادة الحزب، وآخرها تأكيد امين عام الحزب نعيم قاسم الامتناع عن أي تعاون شمال الليطاني، مع أن الجنوب نفسه لم يشهد التزاماً فعلياً، ما يطرح سؤالاً بديهياً حول جدوى التمسك بسلاح فقد دوره وتأثيره وتحول إلى عبء سياسي وأمني.
وبرأي المصادر، يدور لبنان اليوم في حلقة مفرغة لأن فريقاً لا يزال يرفض الإقرار بأن الزمن تغير، وأن المعادلات التي حكمت المنطقة لعقود لم تعد قائمة، فلا نظام حافظ الأسد ولا امتداده مستمر، والاتحاد السوفياتي أصبح من الماضي، وإيران نفسها تواجه للمرة الأولى تهديداً وجودياً بهذا الحجم، فيما إسرائيل بدورها تبدلت أدواتها ومقارباتها، الأمر الذي يجعل أي نقاش داخلي منفصل عن السياق الدولي مجرد تضييع للوقت.
من هنا، يصبح واضحاً أن ملف السلاح مرتبط مباشرة بطهران، باعتباره ورقة تفاوض تستخدمها إلى حين حسم خياراتها الاستراتيجية، في ظل ضغوط أميركية تضع ثلاث أولويات لا تقبل المساومة البرنامج النووي، القدرات البالستية، والأذرع الإقليمية، والسؤال الجوهري يبقى هل تقرر إيران التخلي عن هذه العناصر دفعة واحدة أم أن المواجهة ستفرض نفسها كخيار لا مفر منه؟
حتى ذلك الحين، يرجح جبور في ختام حديثه، أن يبقى المشهد على حاله، ضربات متقطعة بوتيرة متصاعدة، أو انفجار واسع يقود إلى اقتلاع سلاح الحزب من جذوره، فيما لبنان عالق بين انتظار القرار الخارجي ودفع أثمان لم يعد قادراً على تحملها.