في 24 كانون الأوّل 2025، كان العالم يستعدّ للاحتفال بالميلاد، فيما كانت مسنّة تُطفئ شمعتها الأخيرة بصمت. ماري، المقيمة في أحد دور رعاية المسنّين، فارقت الحياة بعد معاناة طويلة، من دون أن يتحقّق طلبها الأخير: رؤية ابنها قبل الرحيل.
حاولت إدارة الدار التواصل مراراً مع الابن، لكن الردّ كان معدوماً، حتى رفض زيارة والدته قبل انتهاء العيد. وعند إبلاغه بوفاتها، قال بلا رحمة: "اعتبروها بعدها عايشة هاليومين، لكان قطع العيد". وجاء الموت وحيداً. في تلك الليلة، لم تمُت ماري فقط، بل مات معها معنى العائلة.
أنجَبَت 7 أولاد.. وبقيت وحدها
لم تمرّ أيّام قليلة، حتى انتشر فيديو لمسنّة أخرى، تبكي أمام الكاميرا، وتقول بوجع لا يحتاج إلى ترجمة: "جبت 7 ولاد.. بس كلّن بالغربة". 7 أبناء، ولا يد تُمسك يدها. 7 أسماء، ولا صوت يناديها "أمّي"، ولا يد تعانقها. قصّة تتكرّر بأشكال مختلفة، لكنّ الخلاصة واحدة: الوحدة أقسى من المرض، والغياب أوجع من الفقر.
الأعياد تفضح الغياب
في هذا السياق، تتحدّث الأخت يولاندا غية، رئيسة مجلس إدارة دار الرعاية الماروني – فرن الشبّاك، عن واقعٍ مؤلمٍ يتكرّر كلّ عام، خصوصاً خلال الأعياد. وتشير الأخت يولاندا، في حديثٍ خاصّ إلى موقع "LebTalks"، إلى أنّ كبار السنّ في دور الرعاية ينقسمون إلى فئتَيْن: من تزدحم غرفهم بالزيارات، ومن ينتظرون العيد بصمت خلف باب لا يُطرق.
وتوضح أنّ الدور تحاول تعويض الغياب العائليّ عبر نشاطات ومبادرات فرديّة أو بالتعاون مع المدارس، فيما يسعى الزوّار لإدخال شيء من الفرح إلى قلوبهم، ولو لساعات.
لكن، وفق الأخت يولاندا، فإنّ "الجرح الحقيقيّ نفسيّ"، إذ إنّ غياب العائلة يترك أثراً عميقاً لا يقتصر على المقيمين في الدور فقط، بل يطال كبار السنّ الذين يعيشون في منازلهم بعيداً عن أولادهم أيضاً. وتشير إلى أنّ وجود مساعدات اجتماعيّات، اختصاصيّين نفسيّين، والراهبات، يمنح المسنّين شعوراً بالأمان ويخفّف من وطأة الوحدة لكنه لا يُلغيها.
تبريرات كثيرة.. والوجع واحد
وعن رفض بعض الأبناء التواصل مع والديهم، تشرح الأخت أنّ الأسباب تتراوح بين الغربة، السفر، الخلافات العائليّة أو الظروف القاسيّة. بعض الأبناء يحاولون البقاء قرب أهلهم، وآخرون يضطرّون لوضعهم في دور الرعاية، لكنّ النتيجة واحدة: ألمٌ مشترك، وإن اختلفت الأسباب. ومع ذلك، تؤكّد أنّ روح العائلة لم تنطفئ بالكامل في لبنان، فـ"الجار لا يزال للجار"، في إشارة إلى التضامن الاجتماعيّ الذي يصمد على الرغم من الأزمات كلّها.
أين الدولة؟
هنا، تطرح الأخت يولاندا السؤال الأثقل: أين الدولة؟ وتشير إلى أنّ كلفة دور الرعاية غالباً ما تكون باهظة، وأنّ الظروف الاقتصاديّة الخانقة وقصور الدولة يجعلان الحياة أقسى من أي تقصير فرديّ. فالأبناء، مهما حاولوا، لا يستطيعون أن يحلّوا مكان الدولة، ولا أن يتحمّلوا عبئاً يفترض أن يكون مسؤولية وطنية.
"كبار السنّ ليسوا عبئاً.. بل بركة"
توجّه الأخت رسالة مباشرة إلى أولاد كبار السنّ، تقول فيها إنّ "كبارنا كنز خبرة وعطاء. فكّل إنسان هو كالمسيح، وكلّ ما نقدّمه لكبار السنّ هو خدمة للمسيح". تضيف: "كبار السنّ يمنحون الدافع للاستمرار، وخبرتهم لا تُقدّر بثمن، سواء كانوا مثقّفين أم حرفيّين. المجتمع الذي يهمّش كبارَه، يحكم على نفسه بفقدان ذاكرته".
ومن هنا، يمكن القول إنّ كبار السنّ في لبنان لا يموتون لأنهم كبروا في العمر، بل لأنهم غُيّبوا عن ذاكرة المجتمع. يموتون حين تغيب الدولة، وتتعب العائلة، ويؤجّل الضمير واجبه إلى "ما بعد العيد".