كتب الصحافي ريمون بولس:
في ضوء المواقف المتبادلة حول اتفاق وقف النار الاخير، والتخبط الحاصل، ما هو مصير هذا الاتفاق وما هي حدود اللعبة المرسومة أو المتاحة للأطراف؟
لبنان الرسمي، يحاول استنباط أوراق قوة من خارج المعروض أمامه، فتراه يتخذ مواقف، وطنية يزايد فيها على قوة الواقع بقوة الموقف، فيعتبر أن نعيم قاسم لا يمثل الشعب اللبناني، وهو كذلك، وإن كان مثل هذا الكلام من المحرمات سابقاً، يضاف اليه وضع النقاط على الحروف مع اسياد قاسم ومشغلي حزب الله اي الايرانيين، باعتبارهم يتاجرون بالحرب وبالحزب وبلبنان ويبيعون ويشترون على طاولة المفاوضات مع الاميركي، بحسب التوجه الجديد للبنان الرسمي وهو أمر يفيد لبنان في المبدأ لناحية اعلاء الشأن السيادي ويفيد اسرائيل في النقاط ولا يزيد ولا ينقّص لدى الحزب.
الحزب، بدوره، ليس لديه سوى رفض الاتفاق، كما قال نعيمه، وهو يعرف أن التزام الخطوط المرسومة فيه لناحية منع اسرائيل من قصف الضاحية وبيروت هو أمر جيد ويضمن له شبه استقرار في العمق الديمغرافي والعملاني ويضمن رفده بالأسلحة والذخائر ولوجستيات كامنة ومخزنة في الضاحية!
أما نتنياهو فيعتبر نفسه انه يسجل انتصارات سياسية وديبلوماسية على طريق التطبيع والسلام مع لبنان، حتى ولو اضطر الى الوصول الى الزهراني وإلى طريق المصنع والبقاع، فالجلوس المباشر مع الجانب اللبناني بحد ذاته انتصار في الاساس، وخصوصاً ابتعاد الدولة اللبنانية ولو بالمواقف عن الحزب، وأكثر وأكثر ما يعنيه قول الرئيس عون أن ايران تريد لبنان ورقة تفاوض مع الامركيين، من إطاحة ولو شكلية بأهداف ايران الحقيقية واسقاط الورقة من يدها، زد على ذلك اعلان الرئيس اللبناني أن لقاءه مع نتنياهو لن يتم قبل توقيع اتفاق السلام، وهذه ثمار اضافية ومكاسب يعتبر انها لم تكن لتحصل لولا النجاح المتزايد في القضاء على الحزب وعلى قوته ومساحة انتشاره على الارض. ولا يخفى ان نتنياهو عاد وتبنى وقف اطلاق النار، بالصيغة المتفق عليها، لأنه قادر على الاطاحة بهذا الوقف وتنفيذ ما يريد من هجمات ساعة يريد في ظل استمرار المبرر المعطى لاسرائيل اي الهجمات التي ينفذها الحزب.
وعليه فإن التوقعات التي لا لبس فيها هي أن الحرب مستمرة وكأن شيئا لم يكن، والحزب لا يملك جرأة القبول بوقف شامل للنار، وقد اصبح وجدانياً تجاه شعبه ملزماً بشعار التحرير من الاحتلال، هذه المرة ايضاً، بعدما جر ولا يزال يجر ارض الجنوب اليه، من جهة والزام نفسه بالموقف الايراني، وعليه لا يبدو ان في المدى القريب ولا المتوسط حصول فصل بين ملف ايران وملف لبنان كما يتمنى الرئيسان عون وسلام، غير القادرين سوى على تقديم المواقف والامنيات، فضلاً عن المنطق الذي يدل على ان اسرائيل سوف تنسحب من الاراضي اللبنانية مقابل اي اتفاق مع لبنان كونه لا يملك سوى "ورقة المعلاق" في حين ان المعلاق بيد الحزب! والأخير لا يستمع سوى لصوت المرشد، خاصة وأن حروب المنطقة بحد ذاتها لا أفق واضح لحلها، لا في غزة ولا في لبنان ولا مع ايران، وأي حل وسط لأي ازمة منها يعيد تفجير الحرب من جديد !