يبرز الملف المالي إلى واجهة المشهد كأحد أخطر مسارات الاشتباك غير المعلن، حيث لم يعد الصراع محصوراً بالجغرافيا والنار، إنما امتد إلى شرايين التمويل ومسالكه الخفية.
في هذا السياق، برز الإنذار الذي وجهه الجيش الإسرائيلي إلى صرافي الأموال المرتبطين بخدمة حزب الله، كإشارة واضحة إلى انتقال الضغط نحو البنية المالية التي يستند إليها الحزب في إدارة نشاطاته.
المعطيات التي أُعلن عنها ترسم صورة شبكة متشعبة، تتداخل فيها المصالح التجارية مع الأدوار غير المعلنة، وتُستخدم فيها شركات وتحويلات عابرة للحدود كقنوات دعم مالي.
فالحديث عن أسماء محددة، مثل محمد نور الدين وحسين إبراهيم، يضع الملف في إطار أكثر دقة، خصوصاً مع الإشارة إلى شركات صرافة ومنصات يُقال إنها تُستعمل لتسهيل انتقال الأموال عبر دول عدة بوسائل تتجاوز الأطر التقليدية للنظام المالي.
بالتوازي، تتقاطع هذه المعطيات مع معلومات متداولة تفيد بغياب أي تسجيل رسمي لهؤلاء ضمن النقابات المختصة أو لدى مصرف لبنان، الذي يفتح باب التساؤلات حول طبيعة عملهم وحدود الرقابة المفروضة على هذا القطاع، في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى أعلى درجات الانضباط المالي والمؤسساتي.
قراءة الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة تضيف بُعداً داخلياً للنقاش، إذ ينطلق من قرار حكومي واضح صدر في الثاني من آذار يربط بين ضبط النشاط العسكري غير الشرعي وتجفيف منابعه المالية.
من هذا المنطلق، يرى في حديثه الى موقع LebTalks أن المسار الطبيعي يفترض تحركاً متوازياً من الأجهزة الأمنية والقضاء، لا سيما في ما يتعلق بملاحقة أي نشاط صرافة غير مرخص لما يحمله من مخاطر مزدوجة، قانونية من جهة وأمنية من جهة أخرى، في ظل واقع ميداني مفتوح على احتمالات التصعيد.
ويمتد الطرح بحسب عجاقة ليشمل دور لجنة الرقابة على المصارف، التي يفترض أن تبادر إلى تحقيقات دقيقة تطبيقاً للتعاميم المرعية وفي مقدمها التعميم 170، بهدف التأكد من التزام الصرافين سواء المسجلين أو غيرهم، بالضوابط المفروضة وكشف أي قنوات تمويل غير مشروعة قد تكون ناشطة خلف الواجهة النظامية.
ضمن هذا المشهد المعقد، يبرز فرضيات حول الأساليب المعتمدة لنقل الأموال، في ظل إقفال معظم المسارات التقليدية براً وبحراً وجواً.
وتشير ترجيحات عجاقة إلى اعتماد وسائل بديلة، من بينها النقل اليدوي عبر ما يُعرف بتبادل الحقائب، إلى جانب اللجوء إلى أدوات رقمية حديثة مثل العملات المشفرة، كخيار يتيح قدراً أكبر من المرونة والالتفاف على القيود.
اذاً، يقف لبنان الرسمي أمام اختبار دقيق في إدارة هذا الملف، حيث لا تقتصر التداعيات على البعد الأمني فحسب، إنما إلى سمعة النظام المالي واستقراره.
في لحظة كهذه يصبح الحسم القانوني والرقابي ضرورة لا تحتمل التأجيل، حماية لما تبقى من ثقة، ومنعاً لانزلاق أمني أوسع في مسار شديد الحساسية.