ما قبل عقوبات ذهب "الحزب" ليس كما بعده.. لماذا هذا التوقيت؟

hizballa

لم تأت العقوبات الأميركية أمس على شركة لتجارة الذهب من فراغ ولا يمكن قراءتها كإجراء مالي معزول أو رسالة تقنية موجهة إلى كيان بعينه، بل هي حلقة جديدة في مسار طويل من الاشتباك غير المعلن بين واشنطن وحزب الله، مسار تجاوز منذ سنوات البعد العسكري ليتوغل في عمق الاقتصاد، ويعيد رسم حدود المسموح والممنوع داخل الدولة اللبنانية نفسها.

توازياً، اعلنت وزارة الخزانة الأميركية الثلثاء، فرض عقوبات على شركة متخصصة في تجارة الذهب، متهمة إياها بلعب دور في تسهيل الدعم المالي الإيراني لحزب الله، ومشيرة إلى أن هذه الشركة تعمل تحت إشراف مؤسسة "القرض الحسن"، الذراع المالية المعروفة للحزب، والتي كانت قد خضعت سابقاً لعقوبات أميركية قبل أن تستهدفها إسرائيل بغارات مباشرة طالت عدداً من فروعها خلال عام 2024.

بالتالي، لم يخفِ وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الخلفية السياسية للقرار معتبراً أن الحزب يمثل تهديداً مباشراً للاستقرار في الشرق الأوسط، ومؤكداً أن بلاده ماضية في عزل شبكاته المالية عن النظام المالي العالمي في خطاب يتجاوز توصيف الوقائع إلى محاولة رسم أفق سياسي للبنان عنوانه إتاحة فرصة للسلام والازدهار وفق الرؤية الأميركية.

الا ام العقوبات لم تتوقف عند حدود الشركة، إذ شملت مؤسسة "جود" التي وصفت بأنها تعمل خلف واجهة منظمة غير حكومية لتأمين تدفق الأموال من إيران إلى الحزب، إضافة إلى أفراد وكيانات من بينهم مواطن روسي وجهت إليهم اتهامات بالضلوع في عمليات التمويل في إشارة واضحة إلى أن واشنطن تتعامل مع الملف بوصفه شبكة متكاملة لا مجرد مؤسسة واحدة.

في المقابل، تكشف مصادر مالية مطلعة في حديث لـLebTalks، عن أن ما جرى لا يمكن فصله عن الضغوط المتراكمة التي مورست على مصرف لبنان خلال المرحلة الماضية، في إطار سياسة أميركية تهدف إلى تضييق الخناق على أي مساحات مالية تعمل خارج النظام المصرفي التقليدي ما دفع الحزب حينها، إلى البحث عن مخارج قانونية داخل البلاد تتيح له الالتفاف على المطالب الدولية بإغلاق القرض الحسن، من خلال إنشاء كيانات تجارية مرخصة تنفذ عملياً جزءاً من وظائف المؤسسة نفسها وعلى رأسها الإقراض.

تضيف، هذه المقاربة ليست جديدة لكنها دخلت مرحلة أكثر وضوحاً مع بروز مؤسسة تجارية مختصة بشراء وبيع الذهب بالتقسيط بدأت نشاطها العلني منذ مطلع كانون الأول لتبدو كواجهة قانونية بديلة من دون أن يعني ذلك أن جوهر النشاط تغير فعلياً.

وتتابع المصادر عينها، يعتبر الحزب ان الخطة مكشوفة لتجفيف موارده المالية بهدف إلغاء دوره ومنعه من تقديم خدمات اجتماعية، وهو ما عبر عنه أمينه العام نعيم قاسم في مواقف عدة، حين وضع الضغوط المالية في خانة الاستهداف السياسي المباشر.

وبحسب المصادر، ان قرض الحسن اعتمد ما يمكن تسميته تموضعاً قانونياً جديداً بحثاً عن بدائل تسمح بالاستمرار في العمل ضمن الإطار القانوني اللبناني، خصوصاً بعد إجراءات محلية كان أبرزها قرار مصرف لبنان منع التعامل معها.

بالتالي التحول بدأ عملياً من بوابة الذهب. ففي شهادات نقلتها المصادر مالية عن متعاملين مع المؤسسة في الضاحية الجنوبية لبيروت، تبين أن الإجراءات التي كانت تنفذ سابقاً تحت اسم القرض الحسن باتت تمر عبر فواتير صادرة عن "شركة جود"، وأحد هؤلاء قصد المؤسسة للحصول على قرض بقيمة ألف دولار بضمانة ذهب زوجته، ليكتشف أن المعاملة لم تعد تسجل كرهن ذهب، انما عبر عقدين تجاريين، الأول شراء الذهب بموجب فاتورة رسمية،والثاني إعادة بيع الكمية نفسها له بالتقسيط، مع جدول دفعات يمتد على 18 شهراً، على أن يُسلم الذهب بعد 15 يوماً من تسديد القسط الأخير.

النتيجة العملية، كما تقول المصادر، بقيت نفسها، لكن الغلاف القانوني تغير، في محاولة واضحة لتكييف النشاط مع القوانين اللبنانية التي تتيح للشركات التجارية ممارسة البيع والشراء بالتقسيط، باستثناء ما يخضع مباشرة لرقابة مصرف لبنان.

إلا أن هذا التكيف لم يكن كافياً لإرضاء واشنطن. فالمصادر تؤكد أن الأميركيين أبلغوا الدولة اللبنانية بوضوح أن تغيير الشكل لا يبدل في المضمون، طالما أن السيولة لا تزال خارج القطاع المصرفي وطالما أن النشاط ينظر إليه في ظل الظروف السياسية الراهنة، كمصدر تمويل محتمل للحزب، وهو ما جعل فرض العقوبات أمراً متوقعاً أكثر منه مفاجئاً.

وعلى خط موازٍ، ترجح المصادر في ختام حديثها الى موقعنا، أن الضغوط لن تتوقف عند هذا الحد، مستندة إلى زيارات سابقة لمسؤولين أميركيين إلى بيروت، جرى خلالها التطرق إلى استفادة هذه المؤسسات من مرافق الدولة، بما فيها وزارات التربية والشؤون الاجتماعية مع احتمال اتساع دائرة الاستهداف لاحقاً لتشمل وزارة الصحة.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: