مذكرة "اللاتفاهم" بين واشنطن وطهران

c3ff5c17-b1f2-429c-9d73-80c5f19bfcd2_16x9_1200x676

قامت القوات الأميركية ليل الاثنين باستهداف مواقع إيرانية، حيث دمّرت قاربين تابعين للحرس الثوري خلال محاولات لزرع ألغام، في وقت حققت فيه المفاوضات القائمة عبر الوساطة القطرية تقدّماً محدوداً.

فطهران طالبت بالإفراج عن أموال مجمّدة بقيم متباينة تراوحت بين 12 و24 و25 مليار دولار، فيما جرى الحديث عن إمكانية فك تجميد جزئي بقيمة 6 مليارات دولار.

لكن الولايات المتحدة تفضّل مقاربة "خطوة بخطوة"، مع شروط وقيود داخلية مرتبطة بالبيت الأبيض والكونغرس، كما تربط أي عملية إفراج مالي بشروط أمنية وعملياتية، أبرزها ملف الألغام، ومضيق هرمز، ومواقع الصواريخ، ولا سيما في بندر عباس، التي تشكّل محور التوتر العسكري المؤثر مباشرة على مسار التفاوض.

وفي المعلومات المتوافرة حول العمليات العسكرية الأخيرة ليل الاثنين، فقد تم استهداف مواقع لإطلاق الصواريخ وقوارب إيرانية، وتدمير قاربين تابعين للحرس الثوري خلال محاولات زرع ألغام.

كما استُهدفت منصات إطلاق وصواريخ أرض – جو في بندر عباس، بعد استخدامها لاستهداف الطائرات الأميركية.

وقد أعلنت القيادة الوسطى الأميركية التزامها بالدفاع عن القوات الأميركية، مع تأكيد ضبط النفس في ظل وقف إطلاق النار الجاري، بالتوازي مع استمرار التفاوض.

وفي السياق نفسه، أفادت تقارير أميركية بوجود محاولات لزرع ألغام داخل مضيق هرمز، حيث رصدت الولايات المتحدة بعضها وتعاملت معها عسكرياً، فيما تعهّدت طهران بإزالة الألغام مقابل خطوات أميركية مقابلة، ما يطرح علامات استفهام حول جدية التنفيذ.

ويرى مراقبون أن الإطار الزمني المرتبط بالإفراج عن الأموال والأرصدة الإيرانية يتقاطع مع مسألة فتح المضيق، وقد يرتبط بفترة تمتد لنحو 30 يوماً من تاريخ انطلاق التفاوض.

كما لوحظ وجود تباين في المطالب الإيرانية، إذ تحدّثت بعض المعطيات عن طلب 12 مليار دولار مع بداية العام أو عند الإعلان عن انطلاق المفاوضات، مقابل ما يُتداول عن إصرار إيراني على 24 مليار دولار ضمن إطار التفاهم النهائي.

وفي مرحلة لاحقة، تم الحديث عن مطالبة النظام الإيراني بـ25 مليار دولار كمجموع إجمالي، مع وجود 6 مليارات دولار محتملة عبر البنوك القطرية، يجري التفاوض حول آلية الإفراج عنها.

أميركياً، هناك تفضيل واضح لمسار إصلاح تدريجي وإفراج مشروط عن الأصول، مرتبط بتنفيذ إيران لبنود محددة، مثل فتح المضيق، وإزالة الألغام، والإجراءات الأمنية، وعودة القوات، فيما تبقى القيود الداخلية الأميركية، سواء على مستوى الكونغرس أو الرئاسة، عاملاً أساسياً يجعل أي إفراج شامل غير مضمون من دون تحقق ملموس من التزامات النظام الإيراني.

أما بالنسبة إلى خيار نقل اليورانيوم المخصّب إلى دولة ثالثة، أو تفكيكه وتدميره تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فتشير المعلومات إلى أن هذا الطرح جرى تداوله كبديل عملي وبراغماتي، بدلاً من الشروط الصارمة التي طُرحت سابقاً، مثل تسليم اليورانيوم عالي التخصيب مباشرة إلى الولايات المتحدة.

ويبقى الخلاف النووي النقطة المركزية والمعيار الأبرز في أي تفاوض، في ظل مؤشرات إلى مرونة أميركية محتملة، لكنها تبقى مشروطة بتنازلات إيرانية ملموسة، وفي مقدّمها وقف التخصيب.

حتى الآن، تبدو المفاوضات وكأنها تفاوض على "ورقة لا تفاهم" أكثر منها ورقة تفاهم فعلية، إذ يعتمد الرئيس دونالد ترامب وفريقه ديناميكية تفاوض قائمة على "تبادل التنازلات" خطوة بخطوة، أي تنازل إيراني مقابل تنازل أميركي، ضمن شروط تنفيذية واضحة، في ظل الضغوط الداخلية التي تواجه الإدارة الأميركية من الكونغرس والجمهور المحافظ، والتي قد تعرقل منح النظام الإيراني تسهيلات واسعة أو سريعة.

وفي المقابل، تستغل إيران عامل الوقت لتحصين مطالبها السياسية والاقتصادية، سواء عبر الاستثمارات أو الصفقات أو النفوذ الخليجي، إلى جانب القضايا النووية.

وإذا كان ثمة خطأ استراتيجي ارتُكب في مسار التفاوض الحالي، فهو منح النظام الإيراني "ندية" لا يستحقها، رغم خسارته في جولة المعارك الأخيرة، حيث فقد القسم الأكبر من قدراته، إلى جانب مرشده الأعلى وقيادات الصف الأول، ما يعني أن هذا النظام، أو ما تبقّى منه، ليس في موقع فرض الشروط، بل في موقع التسليم بشروط الولايات المتحدة ودول المنطقة.

وانطلاقاً من مجمل هذه المعطيات، يمكن القول إن مسار التفاوض لا يزال هشّاً وبعيداً عن أي اتفاق نهائي شامل، فيما يبقى أي تقدّم مرهوناً بتنفيذ ميداني واضح، سواء لجهة إزالة الألغام، أو فتح المضيق، أو اتخاذ خطوات نووية ملموسة، إلى جانب وجود توافق سياسي داخلي في واشنطن.

أما ما دون ذلك، فيبقى أقرب إلى بروباغندا إعلامية إيرانية موجّهة إلى الداخل، أكثر منه حقائق ثابتة، في وقت يواصل فيه الرئيس ترامب الدفع نحو توسيع عملية السلام مع مختلف دول المنطقة.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: