يتقدم إلى الواجهة ملف حساس يلامس قلب العاصمة حيث تتقاطع الهواجس الشعبية مع التحفظات النيابية حيال ما يُحضر في الكواليس لترميم سوق السمك في الكرنتينا، ذاك الموقع العائد لإدارة مرفأ بيروت والذي بقي شاهداً على دمار انفجار مرفأ بيروت من دون أن تمتد إليه يد الترميم حتى اليوم، وسط خشية تتصاعد بهدوء من أن يتحول المشروع من خطوة إنمائية إلى مدخل لواقع ديموغرافي وأمني جديد.
لا تقف المسألة عند حدود إعادة تأهيل مبنى متضرر، فالمخاوف تتجاوز الشكل إلى المضمون حيث يُخشى أن ينقلب الاستخدام الموقت لإيواء نازحين إلى تثبيت أمر واقع طويل الأمد على نحو يعيد إنتاج نماذج سابقة في محيط العاصمة، ويضع بيروت أمام تحول تدريجي يصعب احتواؤه لاحقاً.
في هذا السياق، يعبر وليم نون شقيق الضحية جو نون، عن مقاربة حادة تنطلق من تجربة الألم المفتوح فيرى أن أي خطوة لإيواء نازحين في محيط المرفأ تحمل في طياتها أبعاداً تتجاوز البعد الإنساني، إذ قد تفتح الباب أمام نفوذ يمسك بتفاصيل هذا المرفق الحيوي، مع ما يعنيه ذلك من تأثير محتمل على مسار التحقيق في الانفجار، أو على الأقل خلق بيئة ضاغطة تفرض إيقاعها على الوقائع.
وفق نون، لا تنفصل هذه الهواجس عن قراءة أوسع لمسار التحولات التي شهدتها مناطق لبنانية عدة، حيث بدأت قصص النزوح كحلول ظرفية ثم استقرت كوقائع دائمة، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الدولة على ضبط الإيقاع هذه المرة ومنع تكرار السيناريو نفسه في واحدة من أكثر النقاط حساسية في البلاد.
ويضيف، القلق يمتد أيضاً إلى البعد الأمني مع تحذيرات غير مباشرة من أن يصيح محيط المرفأ إلى مساحة ممسوكة من قوى نافذة، الذي سوف يضع العاصمة أمام معادلة دقيقة بين الواجب الإنساني وضرورات السيادة، وبين الاستجابة الآنية والتداعيات البعيدة.
ويكشف نون انه حتى اللحظة، لا خطوات عملية معلنة من قبل أهالي ضحايا الانفجار، فيما الترقب سيد الموقف بانتظار ما ستؤول إليه القرارات الرسمية.
امام هذا الواقع يبقى السؤال الأكبر مطروحاً: هل تنجح الدولة في إدارة هذا الملف بحكمة تمنع الانزلاق أم يُفتح الباب أمام واقع يصعب الرجوع عنه لاحقاً؟