تتقاطع في الكواليس الإقليمية مؤشرات أمنية وسياسية توحي بأن الجبهة اللبنانية لم تعد وحدها في قلب المواجهة، وأن مساحات أخرى من الجغرافيا المحيطة قد تتحول إلى امتداد طبيعي للصراع الدائر.
وفي تقرير بثته هيئة البث الإسرائيلية، ونقله الصحافي روعي كايس تحدث عن معلومات من مصادر استخباراتية عربية تشير إلى مساع يبذلها حزب الله لتوسيع نطاق عملياته ضد إسرائيل عبر محاولة تنفيذ هجمات انطلاقاً من الأراضي السورية، بالتوازي مع الجبهة اللبنانية، في سياق دعم إيران في الحرب المشتعلة في المنطقة.
في المقابل، يتحرك الحكم الجديد في دمشق بقيادة أحمد الشرع بحذر واضح، فالقيادة السورية أصدرت تعليمات أمنية صارمة تقضي بإحباط أي خلية قد تحاول تنفيذ هجمات من الأراضي السورية، مع إقامة حواجز وإجراءات أمنية في جنوب البلاد لضبط الوضع الميداني.
ويأتي هذا المسار في ظل تبدل كبير في المشهد السوري بعد تراجع نفوذ إيران وحلفائها عقب سقوط نظام بشار الأسد حيث تعمل دمشق على إعادة رسم قواعد السيطرة الأمنية داخل البلاد، بما في ذلك تفكيك البنية العسكرية التي أنشأها الحزب في الداخل السوري وتقليص حضوره في المناطق القريبة من الحدود اللبنانية.
وسط هذه المعطيات، يضع الكاتب السياسي أحمد الأيوبي قراءة أوسع لطبيعة ما يجري في المنطقة، كاشفاً لموقع Lebtalks أن الصورة تتعلق بمسألتين أساسيتين، المسألة الأولى تتصل بتطمينات تلقاها رئيس الحكومة نواف سلام من الجانب السوري، ومفادها أن دمشق لا تنوي التدخل في الأراضي اللبنانية في المرحلة الراهنة، أما المسألة الثانية فتقود إلى سؤال يطرحه الأيوبي بوضوح: ما مصلحة سوريا في التدخل الآن في البقاع اللبناني وما الدافع الفعلي لمثل هذا الخيار في ظل المشهد الإقليمي المعقد؟
ويشرح الأيوبي أن الواقع الميداني على الحدود يفسر جانباً كبيراً من السلوك السوري الحالي، لأن دمشق، بحسب ما يكشف، رفعت مستوى الاستنفار على الحدود اللبنانية - السورية وكذلك على الحدود العراقية، كَوْن المشهد هناك شديد الحساسية مع وجود ميليشيات مرتبطة بإيران، سواء الحشد الشعبي أو حزب الله، بالتالي هذا الواقع القيادة السورية في حالة ترقب دائم، خصوصاً في ظل الحرب المفتوحة في المنطقة واتساع رقعة الضربات الإيرانية التي طالت أكثر من ساحة، من قطر إلى السعودية وحتى تركيا.
ووفق ما ينقل الأيوبي، أن القيادة السورية تراقب ما يجري من دون اندفاع نحو مواجهة مباشرة، إلا أن هذا الحذر لا يعني غياب الجهوزية، ففي حال تمادى الحزب في الاستفزازات الحدودية أو توسع إطلاق الصواريخ من المناطق القريبة من الحدود، عندها لن يبقى الجيش السوري في موقع المتفرج.
مع ذلك يرجح الأيوبي أن دمشق لن تقدم على تدخل استباقي لسببين أساسيين، السبب الأول غياب المبرر المباشر الذي قد يدفعها إلى خطوة بهذا الحجم، أما السبب الثاني، وهو الأهم بحسب ما نقل إليه من القيادة السورية، فيتعلق بعدم وجود قرار أميركي أو طلب واضح يفتح الباب أمام تدخل من هذا النوع.
المشهد بالنسبة إلى دمشق أكثر تعقيداً من مجرد حسابات عسكرية، فسوريا ليست في وارد خوض معركة جديدة في لحظة إقليمية شديدة التشابك، حيث تغيب الرؤية الواضحة لمسار الصراع واحتمالات تحوله إلى حرب استنزاف طويلة، لذلك تتقدم الحسابات السياسية على أي اندفاعة ميدانية مع إبقاء الجهوزية العسكرية قائمة تحسباً لأي تطور قد يفرض نفسه.
وفي الوقت عينه يشير الأيوبي إلى أن مواقع القرار في سوريا تملك القدرة على الرد إذا اقتضت الضرورة، كما تملك إمكانية إقامة شريط حدودي معين داخل الأراضي اللبنانية تفرض من خلاله سيطرة محددة لردع الحزب إذا تطورت الأمور إلى اشتباك مباشر أو ظهرت مؤشرات دولية تسمح بهذا النوع من التدخل.
هذه النقطة تحديداً ترتبط بعامل أساسي في الحسابات السورية، وهو شبكة التوازنات الدولية، كما يوضح الايوبي، على إعتبار أت القرار في دمشق، لا ينفصل عن طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة والدول العربية وتركيا، بالتالي أي خطوة عسكرية كبيرة لن تُتخذ خارج إطار تفاهمات أوسع، لأن القيادة السورية تدرك أن التحرك في منطقة شديدة الحساسية يتطلب غطاءً سياسياً واضحاً.
وفي هذا السياق يكشف الأيوبي معطى بالغ الأهمية يتعلق بالحسابات السياسية لدمشق، حيث أن القيادة السورية لا تريد أن تظهر في هذه المرحلة وكأنها تقف في موقع الحليف لإسرائيل في مواجهة الحزب، لأن مثل هذا الانطباع قد يضعها في موقع شديد الحساسية إقليمياً، لذلك يبقى موضوع التدخل العسكري شديد التعقيد ولا يمكن أن يحدث إلا إذا تحول الأمر إلى مسألة مرتبطة مباشرة بالأمن القومي السوري.
وفي ختام حديثه يكشف الأيوبي معلومة ميدانية لافتة تتعلق بالوضع على الحدود اللبنانية - السورية، فبحسب ما لديه من معطيات، حشد حزب الله على الشريط الحدودي ما يقارب عشرة آلاف مقاتل إلى جانب عناصر من فلول النظام السابق، وقد جرى نشرهم داخل معسكرات الحزب في المنطقة الحدودية، كما تم تجهيز مخيمات لعائلات هؤلاء المقاتلين، مع انتشار مسلحين في نقاط حدودية معينة لم تتمكن القوات المسلحة اللبنانية من السيطرة عليها بعد.
هذا الواقع وفق الأيوبي، يفسر جانباً أساسياً من حالة الاستنفار التي تعتمدها سوريا على حدودها مع لبنان، حيث تنظر دمشق إلى حجم الحشد العسكري القائم هناك باعتباره عاملاً لا يمكن تجاهله في حسابات الأمن والاستقرار على طول الحدود.