لم يأتِ الإنجاز الأمني الأخير عابراً ولا عاطفياً، انما خرج من عمق عمل استخباري صامت ودقيق أصاب واحداً من أخطر المتورطين في التعامل مع الموساد الإسرائيلي خلال الفترة الماضية، العميل احمد مخدر ابن بلدة أنصار الجنوبية، لم يكتفِ بنقل معطيات من محيطه المباشر، لا بل تجاوز الخطوط الجغرافية والسيادية جسداً وفعلاً، قاصداً تل أبيب في رحلات اتخذت طابع العمالة المنظمة وفق ما أظهرته التحقيقات.
بدأت القصة تتكشف في منتصف شباط الحالي حين التقطت الأجهزة المختصة إشارات تقنية غير منسجمة مع نمط حياته وعمله، عبر حركة اتصالات مثقوبة، سفر متكرر لا يبرره الدخل، وتحويلات مالية متدرجة، كلها عناصر راكمت شبهة صلبة قادت إلى التوقيف، فالتحقيقات أثبتت تلقيه ما يقارب ستة آلاف يورو على دفعات مقابل مهام محددة، شملت تزويد اسرائيل بإحداثيات ومعلومات ميدانية حساسة.
تحدثت مصادر أمنية عبر Lebtalks عن طبيعة هذا الملف، مشيرة إلى أن تعقب العملاء بات أكثر تعقيداً مع اعتماد إسرائيل سياسة التجنيد الفردي، بعيداً من الشبكات التقليدية، بالتالي هذا التحول فرض مقاربة مختلفة في الرصد والتحليل، خاصة أن توقيف شخص واحد لا يعني تلقائياً انكشاف آخرين، ضمن ما كان يعرف سابقاً بالحرب الأمنية المفتوحة بين لبنان وإسرائيل، وهي ساحة نجحت الأجهزة اللبنانية في تضييقها وإرباك أدواتها.
وتؤكد المصادر أن الجهد الأمني تضافر بين أكثر من جهاز، حيث سخّرت شعبة المعلومات ومخابرات الجيش والأمن العام وجهاز أمن الدولة إمكاناتها لمراقبة الاتصالات المشبوهة وتتبع التحركات في الداخل والخارج، ضمن منظومة عمل مشتركة لا تعتمد الصدفة ولا رد الفعل.
وتشير معلومات موقعنا، استناداً إلى مصادره، إلى أن بعض الضربات الإسرائيلية النوعية، ومنها الهجمات على منطقة رياق في البقاع، ما كانت لتصيب أهدافها بدقة لولا خرق أمني وفَر إحداثيات دقيقة، وكما جرت العادة عقب كل عملية استهداف، أعاد البحث الاستقصائي تركيب المشهد وصولاً إلى خيوط داخلية.
مع توقيف أحمد مخدر، وبحسب المعلومات ايضاً، ارتفع عدد الموقوفين بتهمة التجسس لصالح إسرائيل إلى نحو 23 شخصاً، بينهم 14 عميلاً من داخل البيئة الشيعية، إضافة إلى سوريين وفلسطينيين.
في المقابل، تعتبر جهات شيعية معارضة أن البيئة الاجتماعية التي خرج منها عدد من الموقوفين تمر بحالة خلل بنيوي تراكمت فصوله على مدى سنوات، بفعل نهج تعبوي أيديولوجي فرضه "حزب الله" أعاد تعريف المحظورات وأسقط تدريجياً سقوفاً كانت تعد من المسلمات.
ومع دخول قرار وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ، بدأت ظاهرة العملاء تطفو إلى السطح تباعاً قبل أن تتحول خلال فترة قصيرة إلى مسار متسارع يصعب فصله عن هذا السياق العام، وفق ما تختم به الجهات حديثها.