مرّة جديدة، يحاول البعض اختبار ذاكرة اللبنانيين عبر صورة عابرة التُقطت من داخل سيارة مرّت بمحاذاة مقر حزب الكتائب اللبنانية المركزي في منطقة الصيفي – بيروت. صورة لبدلة تحمل شعار الحزب السوري القومي الاجتماعي، مرفقة بعبارة تهديد مبطّنة: "كونوا على استعداد… سنفاجئكم".
صورة سُرّبت إلى مواقع التواصل، وكأنها رسالة، أو إنذار، أو استعراض قوة في زمن لم يعد يحتمل فيه لبنان لا التهديد ولا الغموض.
لكن ما فات أصحاب هذه "الرسالة" أن الكتائب ليست حزب صور، ولا حزب ردود فعل، ولا تقاس بتاريخها بمنشور عابر أو لقطة من خلف زجاج سيارة. الكتائب تاريخ سياسي طويل، وخيارات معلنة، ومواقف لم تتبدل بتبدل موازين القوى.
الكتائب، لمن يحتاج تذكيراً، لم تولد على هامش الدولة، ولم تكن يوماً مشروع فوضى أو ترهيب. ولدت من فكرة لبنان، ومن الإيمان بأن هذا البلد لا يُحكم إلا بالدستور، ولا يُحمى إلا بالدولة، ولا يدار إلا بالمؤسسات. دفعت أثماناً باهظة من دم شبّانها وقياداتها، وواجهت الاحتلال، والوصاية، والسلاح غير الشرعي، لا بالشعارات، بل بمواقف واضحة كلّفتها الكثير.
في المقابل، ثقافة "الرسائل المبهمة" و"المفاجآت" ليست جديدة على الحياة السياسية اللبنانية. هي لغة من اعتاد العمل في الظل، ولغة من لا يملك مشروع دولة واضحاً، فيلجأ إلى التهويل والاستفزاز وشدّ العصب.
وفي قلب هذا التاريخ، يقف اسم بشير الجميّل، ولا يمكن الحديث عن بشير الجميّل، ولا عن هذا الإرث تحديداً، من دون تسمية الأمور بأسمائها.
بشير لم يُغتَل صدفة، ولم يسقط في حادث عابر. بشير اغتيل لأنه واجه المشروع السوري في لبنان، ورفض الوصاية علناً، وقرّر أن يقول "لا" في زمن كان فيه ثمن الـ"لا" الموت. اغتيل بعملية نفّذها عملاء للنظام السوري، لأن مشروعه كان خطراً مباشراً على مشروع الهيمنة، ولأنه كان يملك شرعية شعبية ورؤية دولة لا يمكن احتواؤها ولا كسرها بالتسويات.
لهذا السبب تحديداً، يبقى اسم بشير حاضراً، ليس من باب الحنين، بل من باب التذكير، من يهدّد الكتائب اليوم، يهدّد حزباً اغتيل رئيسه لأنه أراد دولة، لا دويلة، وسيادة، لا وصاية. ومن يلوّح بالترهيب، يواجه حزباً يعرف جيداً معنى الاغتيال السياسي، ويعرف أيضاً أن التهديد لم يكن يوماً وسيلة لإسكات من قرروا المواجهة.
التركيز على بشير ليس تفصيلاً، ولا خياراً انتقائياً. هو تذكير دائم بأن الكتائب دفعت أثمانها كاملة، وبأن هذا الحزب لم يبدّل خطابه تحت الضغط، ولم يعقد تسويات على حساب دم قادته.
بشير هو الخط الفاصل بين السياسة كخيار علني، والاغتيال كأداة قمع. وهو الدليل الدائم على أن مشروع الدولة في لبنان كان، ولا يزال، يُواجَه بالترهيب حين يعجز خصومه عن مواجهته سياسياً.
الأخطر في الصورة المتداولة ليس القماش ولا الشعار ولا العبارة، بل ما ترمز إليه، محاولة إعادة ضخّ منطق الاستفزاز في الشارع، وإحياء ثقافة التهديد السياسي، وجرّ البلد مجدداً إلى مربّع الانقسام والعصبيات، في لحظة دقيقة يحتاج فيها اللبنانيون إلى حدّ أدنى من العقل السياسي والمسؤولية الوطنية.
لبنان اليوم على شفير انهيارات متعدّدة، واللبنانيون لا يحتاجون إلى "مفاجآت"، بل إلى حلول. لا يحتاجون إلى استعراضات قوة، بل إلى دولة تحميهم. ولا يحتاجون إلى رسائل مبطّنة، بل إلى خطاب سياسي واضح يُحاسَب أصحابه أمام الرأي العام.
الكتائب لا تُستفَز، ولا تُجرّ إلى سجالات عبثية. تاريخها معروف، وخياراتها معلنة، وسقفها لم يتغيّر، الدولة وحدها، لا شريك لها، ولا بديل عنها. ومن يريد المواجهة فليكن في السياسة، في البرلمان، في الإعلام، أمام اللبنانيين جميعاً، لا خلف منشورات عابرة أو صور ملتقطة على عجل.
وأخيراً، لمن يلوّح بـ"المفاجآت": الكتائب تعرف هذا الأسلوب جيداً. واجهته في أصعب الظروف، وبقيت. أما لبنان، فلم يعد يحتمل مزيداً من الاستعراضات، ولا مزيداً من محاولات شدّ البلد إلى الخلف.
السيادة باقية حيث يجب أن تكون دائماً، في قلب الدولة، وعلى ضفّة الوضوح، لا في ظلال التهديد.