نعيم قاسم والبهلوانية السياسية.. ماذا لو سقط خامنئي؟

WhatsApp Image 2026-01-18 at 11.22.31 AM

ليس جديداً على الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أن يخرج من عباءة التنظير العقائدي ليمنح نفسه حق الوصاية على الدولة اللبنانية ومؤسساتها. الجديد، والخطير هذه المرة، هو انتقاله إلى موقع الهجوم المباشر على وزير خارجية لبنان يوسف رجي، في محاولة فاضحة لقلب الأدوار، المعتدي يتقمّص دور "الناصح"، والدولة تُتَّهَم لأنها تحاول استعادة صوتها وسيادتها.

لهجة ما بعد الوليّ

السؤال الذي لا يجرؤ "البهلواني" على سماعه، ولا حتى على مقاربته افتراضاً، هو السؤال الذي يُربك كامل البنية الخطابية التي يقف عليها، ماذا لو سقط علي خامنئي في إيران؟

ليس لأن الحدث مستحيل، بل لأن مجرّد طرحه يفضح هشاشة مشروع لم يُبنَ يوماً على استقلال قرار أو سيادة وطن، بل على ارتباط عضوي بمرجعية خارج الحدود، رُفعت إلى مرتبة العقيدة السياسية والدينية تحت عنوان "الوليّ الفقيه".

خطاب مستعار

لم يكن "حزب الشيطان" يوماً صاحب مشروع لبناني مستقل. لم يقدّم تصوراً لدولة، ولا رؤية اقتصادية، ولا تعريفاً واضحاً للسيادة خارج قاموس عقائدي يبدأ من طهران ولا ينتهي في بيروت. خطابه، منذ عقود، ليس سوى إعادة إنتاج أمينة لما تقرره القيادة الإيرانية، مع بعض التكييف اللفظي الذي يراعي خصوصيات الساحة اللبنانية شكلاً، لا مضموناً.

من هنا، يتحوّل السؤال عن سقوط خامنئي إلى سؤال وجودي، لا سياسي فقط. فالرجل الذي بنى هويته على "الطاعة" لا على "القرار"، وعلى "الولاية" لا على "الدولة"، سيجد نفسه فجأة بلا مرجعية، بلا سقف، وبلا بوصلة.

"ليس نحو الدولة".. هل يتبدّل الخطاب؟

قد يراهن البعض على أن أي تغيير في طهران سينعكس "لبننة" في خطاب نعيم قاسم ومن خلفه حزب الله. لكن التجربة، كما يثبت الواقع، لا تدعم هذا الرهان.

التجربة تقول إن الخطاب لا يتحوّل إلى سيادي، بل يتبدّل تكتيكياً، من لغة التحدي إلى لغة التكيّف، من فائض القوة إلى خطاب المظلومية، من "نحن نحمي البلد" إلى "نحن مستهدفون".

هذا التحوّل ليس انتقالاً مبدئياً، بل محاولة للبقاء. فالمشروع الذي لا يعيش إلا في ظل قوة خارجية، لا يصبح مشروع دولة عندما تضعف تلك القوة، بل يتحوّل إلى عبء داخلي يحاول شراء الوقت وتأجيل الاستحقاق.

"الحزب" بلا طهران.. أين يقف؟

إذا اهتزّ المركز في طهران، كما تهزّه اليوم موجات الاحتجاجات الواسعة التي تضرب عمق النظام الإيراني وتكسر صورة السلطة المنيعة في الشارع، ستعود إلى الواجهة أسئلة جرى طمسها طويلاً بالقوة أو بالتخوين أو بشعارات التخويف: ما هو موقع حزب الله في دولة لم تعد تقبل أن تكون ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية؟ ما هو المبرر الحقيقي لاستمرار السلاح خارج إطار الدفاع الوطني والمؤسسات الشرعية؟ ومن يملك قرار الحرب والسلم: الدولة اللبنانية أم حزب يتلقّى إشاراته من خارج الحدود؟

في قلب هذه الأسئلة يقف قاسم تحديداً، لا كمتفرّج، بل كأحد أبرز منظّري "الالتزام العقائدي" الذي يتجاوز الكيان اللبناني نفسه، ويربط مصير الداخل اللبناني بتقلّبات الخارج الإيراني. ومع تصاعد الاحتجاجات في إيران وتآكل صورة "المركز القوي" الذي لا يُمسّ، يصبح الخطاب الأيديولوجي أكثر هشاشة، وأقل قدرة على الإقناع أو الفرض.

عندها، لن تنفع الخطب الطويلة، ولا الاستدعاءات العقائدية، ولا لغة التحدّي المعلّبة. فالواقع السياسي لا يُدار بالولاء ولا بالشعارات، بل بتوازنات ومصالح، وبقدرة أي مشروع على الصمود عندما يهتزّ مركزه، لا عندما يكون محمياً به.

مصير قاسم، الذي قسم البلد، السياسي ليس منفصلاً عن مصير المنظومة التي يتحدث باسمها. هو ليس قائداً كاريزماتياً قادراً على إعادة التموضع، ولا رجل دولة يستطيع الانتقال من منطق الحزب إلى منطق الوطن. هو ابن مرحلة ولسان حال منظومة إيرانية، فإذا انتهت المرحلة أو تبدّلت قواعدها، انتهت معها اللغة التي يجيدها.

والأهم: حين يفقد "السقف" الذي كان يحتمي به، سيُجبر على مواجهة السؤال الذي تهرّب منه طويلاً، هل يمكن أن تكون في لبنان من دون وصاية؟

حين يصبح التمسك بالدولة جريمة

الهجوم الذي شنّه نعيم قاسم على وزير الخارجية يوسف رجي ليس دفاعاً عن “مقاومة” ولا عن “سيادة”، بل دفاع عن فائض سلاح وفائض نفوذ. يوسف رجي لم يفعل أكثر من واجبه الطبيعي: التعبير عن موقف الدولة اللبنانية كما يجب أن يكون، لا كما يُراد له أن يكون.

منذ متى أصبح وزير الخارجية مُطالباً بأن ينسّق مواقفه مع حزب سياسي–عسكري قبل مخاطبة العالم؟ ومنذ متى بات الدفاع عن القرار 1701، أو عن منطق الدولة الواحدة، خيانة تستوجب التخوين والتجريح؟

يوسف رجي لم يساوم، ولم يهادن، ولم يتاجر بالشعارات. قال ما يجب أن يُقال: إن لبنان لا يُحكم من خارج مؤسساته، ولا يُدار بمنطق الرسائل الإقليمية. وهذا بالضبط ما أزعج نعيم قاسم، لأن أي خطاب سيادي واضح يفضح هشاشة الخطاب الموازي القائم على التخويف وخلط الأوراق.

الهجوم على رجي هو رسالة ترهيب لكل مسؤول لبناني يفكّر بأن يتصرّف كمسؤول دولة، لا كموظف في محور.

الهجوم على يوسف رجي ليس إلا محاولة لإسكات آخر ما تبقّى من صوت رسمي يحاول أن يقول "لبنان". ونعيم قاسم، مهما علت نبرته، يدرك في قرارة نفسه أن الخطابات لا تحمي مشروعاً إذا تغيّرت موازين القوى، وأن من يهاجم الدولة اليوم قد يضطر غداً إلى الاحتماء بها.

الدولة ليست وجهة نظر، يوسف رجي لم يخطئ، الخطأ هو الإصرار على إبقاء لبنان رهينة خطابات تعيش على وقع أوامر تأتي من خارج حدوده.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: