بين الخوف من الحرب والقلق على أبسط تفاصيل الحياة اليومية، يتحوّل الدواء في لبنان من حاجة روتينية إلى هاجس جماعي. ومع كل تصعيد أمني، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة، هل البلد جاهز ليواجه أزمة صحية إذا سُكّرت طرق الاستيراد؟ وبين الواقع والاحتياط، تُرسم اليوم ملامح معركة صامتة عنوانها تأمين الدواء قبل فوات الأوان.
يشير نقيب الصيادلة عبد الرحمن مرقباوي في حديث لموقع LebTalks إلى أن "في الوقت الحالي، لا يزال كل من المطار والمرفأ مفتوحين، ولا يوجد أي انقطاع في الأدوية. ولكن في حال أُغلقا بسبب الحرب، لدينا مخزون يكفي لفترة معيّنة. فالأدوية المستوردة يكفي مخزونها لحوالي أربعة أشهر، أما الأدوية المصنَّعة في لبنان فيمكن أن يكفي مخزونها لثمانية أشهر كحد أقصى".
ويلفت مرقباوي إلى أن "حتى الآن لا نواجه أي مشكلة في الاستيراد، إذ عقدنا اجتماعاً مع وزير الصحة لبحث كيفية إدارة الوضع وضمان بقاء الأمور تحت السيطرة. المشكلة الوحيدة حالياً هي في إيجاد وسائل شحن، حيث إن شركة طيران الشرق الأوسط هي تقريباً الجهة الوحيدة التي لا تزال تسير رحلات إلى لبنان، وهذا ما يؤدي أحياناً إلى بعض التأخير في إدخال الأدوية إلى البلاد.
وفي هذا الإطار، قامت وزارة الصحة مع المستوردين بتحديد الأولويات، بحيث تكون الأدوية المقطوعة من السوق أولوية، وكذلك أدوية الأمراض المزمنة. ويتم العمل على ضمان وجود مخزون دائم من هذه الأدوية، بحيث تُستورد أولاً".
أما بالنسبة للصيدليات في الجنوب أو في الضاحية، فيقول مرقباوي: "حالياً لا يمكن القيام بأي خطوة، بانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع ومتى ستتوقف الحرب. كما أننا لا نعلم ما إذا كان أصحاب هذه الصيدليات سيتمكنون من العودة وإعادة فتح صيدلياتهم بعد انتهاء الحرب".
ويتابع: "في نهاية المطاف، هناك قانون نلتزم به ولا يمكننا العمل خارج إطاره. فكل من يرغب في فتح صيدلية يجب أن يكون حاصلاً على ترخيص صيدلي، ومن لا يملك هذا الترخيص لا يحق له بيع الأدوية.
وبصفتنا نقابة الصيادلة، نحاول قدر الإمكان مساعدة الصيادلة المتضررين. فنحن على تواصل دائم معهم، كما نتواصل مع صيادلة آخرين من أجل مساعدة من خسروا صيدلياتهم أو اضطروا لإغلاقها بسبب الحرب، عبر بيع مخزونهم من الأدوية إلى صيادلة آخرين، على أمل أن يتمكنوا بعد انتهاء الحرب من العودة إلى حياتهم الطبيعية وإعادة فتح صيدلياتهم".

كما أجرى موقع LebTalks اتصالات مع 3 صيدليات في مناطق مختلفة، للتأكد من كيفية توزيع الأدوية وما إذا كانت تعاني من أي نقص.
في هذا السياق، تؤكد إحدى صيدليات جبيل إلى أن "حتى الآن لا يوجد أي انقطاع في الأدوية، فكل الأدوية المستوردة والمحلية متوفرة ويتم إعطاؤها للمرضى بشكل طبيعي. لكن كإجراء احترازي بسبب الظروف والحرب، بدأوا منذ حوالي أسبوعين بتحديد الكميات التي تُعطى للمرضى. فبدلاً من إعطاء 4 علب من الدواء كما كان يحصل سابقاً، أصبحوا يعطون علبتين فقط، وذلك كخطوة احتياطية لتفادي أي نقص محتمل في المستقبل".
اما الصيدلية الثانية في أنطلياس، فتوضح في حديث لموقعنا أن "هذه ليست المرة الأولى التي نمر فيها بظروف صعبة، إذ بدأت هذه المشاكل منذ العام 2019. لذلك يعتمدون استراتيجية تقوم على تخزين كميات كبيرة من الأدوية، حيث يحتفظون بمخزون يتراوح بين 100 و120 علبة من كل دواء. هذه الطريقة تساعدهم على تلبية حاجات المرضى والبقاء من بين آخر الصيدليات التي قد ينفد منها الدواء".
وتقول: "نعتمد سياسة طلب كميات كبيرة من الشركات للبقاء في الجانب الآمن. وأكدوا أن تحديد الكميات أحياناً يكون من قبل الشركات نفسها، إذ إن بعض الشركات لا تتعامل بعدل، فقد تعطي لكل صيدلية مثلاً 5 علب فقط من دواء معين حتى لو كانت بحاجة إلى أكثر. في المقابل، هناك شركات أخرى تعتمد نظاماً أكثر عدلاً، حيث تنظر إلى تاريخ استهلاك الصيدلية السنوي. فمثلاً إذا كانت الصيدلية تبيع 120 علبة من دواء معين سنوياً، يتم تقسيمها على 12 شهراً، أي إرسال حوالي 10 علب شهرياً بحسب معدل الاستهلاك السابق. وهذا ما يحصل حالياً في صيدليتهم".
وبالنسبة إلى الصيدلية في بيروت، فتلفت إلى أن "الناس تشعر بالقلق بسبب الوضع، لذلك أصبحوا يشترون كميات أكبر من المعتاد. لكن المشكلة التي يواجهونها حالياً هي أن الشركات تحتاج إلى وقت أطول لتسليم الأدوية بسبب الضغط الكبير. ومع ذلك، أكدوا أن الوضع لا يزال مقبولاً ويحاولون إدارة الأمور قدر الإمكان، وتلبية حاجات المرضى بما هو متوفر لديهم. وحتى الآن لا يعتمدون سياسة تحديد الكميات بشكل صارم، لأن الأمر يختلف من صيدلية إلى أخرى، لكنهم يحاولون القيام بكل ما يمكن لمساعدة المرضى".
في بلدٍ اعتاد أن يعيش على حافة الأزمات، يبقى الدواء خط الدفاع الأخير بين الناس والخطر. وبين مخزونٍ يُحسب بالأشهر وواقعٍ يتغيّر بالأيام، تبقى المعادلة هشّة، إمّا إدارة دقيقة للأزمة، أو انزلاق سريع نحو فقدان أحد أبسط حقوق الإنسان الحق بالعلاج.