أعلنت الولايات المتحدة إجراءات بحرية تتضمن فرض رسم بنسبة 20% على الشحنات العابرة مقابل الحماية، وفي الوقت نفسه تم الإبلاغ عن أكثر من 300 ضربة أميركية خلال ثلاثة أيام، استهدفت أهدافاً استراتيجية جنوب إيران في المنطقة المحيطة بمضيق هرمز والجزر الإيرانية.
هذه الاتجاهات التصعيدية تثبت دخول المنطقة في "الجزء الثاني" من الصراع، واحتمال رد أميركي مضاعف وقاسٍ على أي عملية إيرانية.
مضيق هرمز، بالنسبة إلى طهران، بات أهم من الملف النووي، ويجب الإقرار بأن النظام، أو ما تبقى منه، نجح إلى حد ما في تغيير استراتيجية واشنطن من حملة ضد النووي والتخصيب والصواريخ الباليستية والأذرع، إلى حملة مواجهة ورقة إيران في مضيق هرمز.
هرمز يستخدمها النظام الإيراني إلى أقصى مدى، حارقاً المراحل التفاوضية التي تضمنتها مذكرة التفاهم، والتي باتت في حالة "كوما" أو غيبوبة، فيما أعلن الرئيس دونالد ترامب دفنها.
الجانب الإيراني يتحدث عن البند الخامس من تلك المذكرة، لكن النظام لم يقرأ جيداً نصها، الذي ينص على أمرين أساسيين: الأول هو تعهد إيران ببذل قصارى جهدها لضمان المرور الآمن للسفن التجارية، من دون أي رسوم، لمدة 60 يوماً فقط بين الخليج العربي وبحر عُمان وبالعكس. أما الثاني فهو تعهد إيران بإزالة العوائق التقنية والعسكرية، وتنفيذ عمليات إزالة الألغام.
فهذان التعهدان لم تنفذهما طهران، بل اعتدت على ناقلات نفط سعودية وقطرية، وكان ما كان من ردة الفعل الأميركية.
فالتصعيد العسكري الأميركي مستمر لإبطال أي قدرة للنظام الإيراني على تهديد أمن الملاحة في مضيق هرمز. وخلال ثلاثة أيام، نفذت الولايات المتحدة أكثر من 300 ضربة، بعضها موجع لأهداف استراتيجية إيرانية، بالتزامن مع تكثيف نوعي في العمليات وظهور قوارب انتحارية إيرانية لأول مرة على أرض الميدان، فالضربات كانت أقوى وأكثر تأثيراً وإيلاماً مقارنة بالمراحل السابقة.
وفي الساعات الأخيرة، أعلن الرئيس ترامب والجيش الأميركي فرض الحصار البحري مجدداً على إيران وحقوق المرور في مضيق هرمز، وتضمن الإعلان الأميركي، فضلاً عن إعادة فرض الحصار البحري، فرض رسم بنسبة 20% على الشحنات العابرة مقابل الحماية.
هذه الفكرة وُصفت بأنها "ورقة ضغط"، لكنها تواجه تحديات قانونية ودولية عدة، أبرزها متطلبات وقيود قانون البحار، لذا من المستبعد تطبيق هذا الإجراء بسهولة، لكنه يمثل رسالة سياسية واقتصادية أميركية ضاغطة على الإيرانيين والدول المعنية بالمضيق، وبخاصة الصين.
تتحدث بعض التقارير عن استهداف عدة سفن ووجود نشاط إيراني عدائي في المضيق، فسيطرة إيران على حركة المرور تُعد عاملاً للتوتر، ومن الآثار المتوقعة لمثل هذه القرصنة الإيرانية ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتداعيات اقتصادية عالمية ضخمة وخطيرة.
بعد جنازة المرشد السابق، تغيّر سلوك النظام، حيث ظهرت رغبة في استعراض القوة والثأر لقتلة المرشد، أي توجيه رسالة تهديد مباشرة لكل من واشنطن وتل أبيب.
فرسائل القيادة الإيرانية الداعية إلى الثأر تضفي غموضاً على الأيام المقبلة والتطورات المرتقبة، وقد باتت مروحة الخيارات والاحتمالات واسعة جداً، بدءاً من التصعيد العسكري، وصولاً إلى تغيير النظام أو إشعال التحركات الشعبية، فلا وضوح تام حتى الآن في المسار.
واشنطن تحاول تدويل المشكلة وجذب الحلفاء وأوروبا، وثمة إشارات سُجلت إلى تقارب أوروبي مع الموقف الأميركي في الأيام الماضية، خاصة أثناء قمة الناتو في تركيا، كما أن هناك حراكاً سياسياً يجري، منه زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى واشنطن خلال هذا الشهر، وزيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، وزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتحركات أخرى تعكس تنسيقاً ومرحلة إعادة تقييم أميركية شاملة لاستراتيجية المواجهة في الشرق الأوسط.
إذاً، يمكن القول إن المرحلة المقبلة لن تكون بسيطة، وقد تشهد تطورات خطيرة وحاسمة، والسيطرة الإيرانية على المضيق ورقة زمنية ستتآكل، واستغلال المضيق قد يعود سلباً على إيران لاحقاً، كسيف ذي حدين، والمنطقة مفتوحة على تصعيد عسكري وسياسي واقتصادي كبير، مع استمرار المساعي لإيجاد آليات ضغط دولية لحلول جذرية، إن كان ثمة وقت أو إمكانية بعد لمثل هذه الحلول الديبلوماسية.