في الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب عند خطوط النار فهناك جبهات أكثر هدوءاً، وأكثر تأثيراً، تُدار داخل غرف القرار، حيث تتحول الاتفاقات إلى أدوات ضغط، وتُستعمل الأوراق الإقليمية في إعادة رسم موازين القوة، ومن هذا المشهد، تبدو العلاقة بين واشنطن وطهران وقد دخلت مرحلة مختلفة، عنوانها تفاهم في مكان، ومواجهة في أماكن أخرى، فيما تتقدم ملفات المنطقة إلى واجهة المساومات السياسية والأمنية، وفي مقدمتها الملف السوري وملف حزب الله.
وفي قراءة خاصة لموقع LebTalks، يؤكد سفير سابق أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران لا يعني انتهاء الصراع بين الطرفين، فالمواجهة بحسب تقديره، انتقلت إلى مستوى آخر، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه عبر استخدام الأوراق التي يمتلكها، من الخليج إلى بلاد الشام، وصولاً إلى الساحات التي ما زالت تشهد نفوذاً متشابكاً.
ويشير إلى أن التوتر الذي عاد إلى مضيق هرمز، مع استهداف بعض السفن وعودة التهديد بإغلاق الممر البحري، أعاد رفع مستوى الاستنفار الأميركي، وهو ما انعكس سريعاً في الرد العسكري أمس الذي استهدف مواقع إيرانية حساسة، بالتزامن مع إعلان الجيش الأميركي أن الضربات لن تكون حدثاً عادياً إذا استمرت الهجمات التي تهدد المصالح الأميركية وحركة الملاحة الدولية.
ويرى السفير عينه أن هذا التصعيد لا يمكن فصله عن الحراك السياسي الموازي إذ إن واشنطن، تستثمر التطورات الميدانية في محاولة لتوسيع دائرة الضغوط على إيران وحلفائها، وهو ما يجعل ملفات المنطقة مترابطة أكثر من أي وقت مضى بحيث لم يعد أي ملف يُناقش بمعزل عن الآخر.
ويتابع السفير أن ملف "حزب الله" قد يحضر بقوة على هامش انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو"، في حال جمع لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع، حيث لا يستبعد أن يطلب ترامب من الشرع لعب دوراََ مباشراََ في الملف اللبناني، سواء عبر تشديد الرقابة على الحدود السورية اللبنانية، أو المساهمة في الحد من مسارات الدعم والتهريب التي تنظر إليها واشنطن على أنها جزء من شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة.
يضيف أن أنقرة تتحرك في هذا السياق من موقع الشريك القادر على تسهيل بعض المسارات، لذلك فإن أي انفتاح أميركي على دمشق لن يكون بعيداً من الحسابات التركية خصوصاً أن تركيا تملك حضوراً سياسياً وأمنياً واسعاً داخل المشهد السوري الأمر الذي يمنحها قدرة على لعب دور المؤثر في الملفات التي تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية.
ويختم السفير حديثه بالتشديد على أن المنطقة دخلت مرحلة تتغير فيها الأولويات بسرعة، وأن الاتفاقات القائمة لا تعني بالضرورة استقراراً دائماً، فكل تطور ميداني قادر على إعادة خلط الأوراق خلال ساعات، لذلك فإن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تثبيت التفاهمات، أو نحو دورة جديدة من المواجهات التي قد تمتد آثارها إلى أكثر من ساحة في وقت واحد.