"هيكل ورث مؤسسة منهارة"... أبي سمرا لـLebTalks: الأزمة تكمن بالسلطة السياسية

jeshh

أوضح العميد المتقاعد طوني أبي سمرا أن الدولة لا تمتلك وسيلة قوة واحدة فقط، بل مجموعة متكاملة من أدوات القوة تشمل الديبلوماسية والعسكر والمال والإعلام، معتبراً أن أي نقاش حول أداء الجيش اللبناني وقدرته على تنفيذ المهام المطلوبة منه يجب أن يبدأ أولاً من تقييم أداء الدولة نفسها في هذه المجالات.

ورأى أبي سمرا في حديث لـLebTalks أن السلطة السياسية أخفقت خلال المرحلة الماضية في استخدام أدواتها الديبلوماسية بالشكل المطلوب، مشيراً إلى أن لبنان عاش، بحسب وصفه، حالة من الضياع السياسي وعدم القدرة على تحديد مسار تفاوضي واضح، عبر الولايات المتحدة. وأضاف أن القرار الديبلوماسي كان غائباً أو مرتبكاً في أكثر من محطة.

وتوقف عند أداء وزارة الخارجية، معتبراً أن وزير الخارجية يوسف رجي اتخذ في مرحلة معينة موقفاً واضحاً في أحد الملفات الديبلوماسية، إلا أن رئيس الجمهورية تنصل منه لاحقاً، على حد تعبيره، ما أعاد الأمور إلى نقطة الصفر وأظهر حجم التباين داخل السلطة السياسية.

أما على المستوى المالي، فاعتبر أبي سمرا أن الدولة لم تنجح في ضبط مواردها أو توجيهها لخدمة مشروع الدولة، متهماً السلطة السياسية بالسماح باستمرار قنوات مالية يستفيد منها الثنائي "أمل ـ حزب الله". وقال إن ما يحصل في بعض المناطق من ضرائب وجبايات، إضافة إلى جزء من المساعدات الخارجية التي تصل إلى لبنان، يصب عملياً في خدمة حركة أمل والحزب، بحسب رأيه.

أضاف أن العلاقة القائمة بين السلطة السياسية والحزب تنعكس مباشرة على أداء المؤسسة العسكرية، متسائلاً: "كيف يمكن للجيش أن يتخذ قرارات ميدانية حاسمة إذا كان يرى السلطة السياسية نفسها تعتمد سياسة تنسيق وتفاوض مع الحزب؟".

واعتبر أن الجيش وجد نفسه في كثير من الأحيان في موقع حرج، إذ يُطلب منه تنفيذ مهمات تتعلق بتفكيك البنية العسكرية للحزب، فيما كانت السلطة السياسية تعتمد مقاربة مختلفة، مضيفاً أن المؤسسة العسكرية واجهت صعوبات كبيرة في الجنوب، لا سيما أن الحزب لم يقدّم، خرائط واضحة لمواقعه أو منشآته أو مخازن أسلحته، ما جعل مهمة تفكيك السلاح أكثر تعقيداً.

وفي معرض حديثه عن التطورات الإقليمية، رأى أبي سمرا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مدّ يده للبنان عبر طرح يقوم على الوصول إلى حل شامل وسلام في المنطقة، مشيراً إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت، بحسب قوله، أن نحو 34% من الشيعة، وحوالى 60% من السنة، وأكثر من 80% من المسيحيين والدروز يؤيدون السير في هذا الخيار.

أضاف في حديث لموقعنا أن الجيش يُطلب منه اليوم تنفيذ استحقاقات كبيرة على الأرض في ظل غياب الضمانات السياسية الواضحة، معتبراً أن المؤسسة العسكرية لا يمكن أن تنجح وحدها إذا كانت بقية مؤسسات الدولة لا تقوم بدورها.

وفي ما يتعلق بالوضع الداخلي للمؤسسة العسكرية، رأى أبي سمرا أن قائد الجيش العماد رودولف هيكل تسلم مؤسسة تعاني من أزمات بنيوية عميقة تراكمت على مدى سنوات. وقال إن المؤسسة العسكرية تعاني اختلالاً في هرمها التنظيمي، لافتاً إلى وجود عدد كبير من الضباط الكبار مقارنة بعديد العناصر المقاتلة، نتيجة سياسات الترقيات التي اعتمدت خلال مراحل سابقة.

أضاف أن الانهيار الاقتصادي انعكس بشكل مباشر على أوضاع العسكريين والضباط، بحيث اضطروا إلى البحث عن أعمال إضافية لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

واعتبر أن العماد هيكل ورث مؤسسة كانت، بحسب وصفه، على تنسيق عميق مع الحزب خلال السنوات الماضية، وأن جزءاً من الثقافة والعقيدة السائدة داخل بعض مفاصلها تأثر بهذا الواقع، مضيفاً أن القيادة الحالية تحاول في الوقت نفسه إعادة ترميم المؤسسة من الداخل وتنفيذ المهام الموكلة إليها على الأرض.

وذهب أبي سمرا أبعد من ذلك، معتبراً أن ما أصاب الجيش لم يكن منفصلاً عما أصاب مؤسسات الدولة الأخرى، بل جاء نتيجة مشروع متكامل بدأ منذ أوائل التسعينيات وأدى تدريجياً إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتفريغها من فعاليتها. وقال إن هذا المسار ارتبط، بحسب رأيه، بمشروع سياسي قادته قوى مرتبطة بسوريا سابقاً ثم بالحزب وإيران لاحقاً.

كما توقف عند الواقع الديموغرافي داخل الوحدات المقاتلة، معتبراً أن نسب التمثيل الطائفي شهدت تغيرات كبيرة خلال السنوات الماضية. وأشار إلى أن نسبة المسيحيين والدروز داخل بعض الوحدات المقاتلة تراجعت بشكل ملحوظ، مقابل ارتفاع نسبة السنة والشيعة، معتبراً أن هذا الواقع يطرح علامات استفهام حول مستقبل التوازنات داخل المؤسسة العسكرية.

كذلك أثار تساؤلات حول نوعية بعض الضباط الذين يدخلون إلى المدرسة الحربية وآليات اختيارهم، معتبراً أن أي تراجع في مستوى الكوادر العسكرية ينعكس مباشرة على فعالية المؤسسة وقدرتها على أداء دورها الوطني.

وشدد أبي سمرا على أن الدولة تمتلك أدوات عدة قبل اللجوء إلى القوة العسكرية، متسائلاً عن أسباب عدم إعلان حالة الطوارئ أو التعبئة العامة أو استدعاء قوات الاحتياط أو اعتماد إجراءات استثنائية تسمح للدولة بفرض سلطتها بشكل أكثر فعالية.

وأشار في هذا السياق إلى وجود عدد كبير من العسكريين الاحتياط الذين كان يمكن الاستفادة منهم خلال السنوات الماضية، معتبراً أن قيادة الجيش آنذاك فضلت عدم اللجوء إلى هذا الخيار رغم الحاجة إليه.

كما كشف لـLebTalks عن أن الجيش اللبناني كان يحظى، قبل انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية، بدعم دولي واسع، مشيراً إلى أن عدداً من الديبلوماسيين والمسؤولين الغربيين تواصلوا مع قيادة الجيش بعد أحداث 8 تشرين الأول، عارضين دعماً ومسارات من شأنها الحد من التصعيد جنوباً ومنع انزلاق لبنان إلى الحرب.

واعتبر أن الجيش كان منتشراً في الجنوب وكان يمكن اتخاذ إجراءات للحد من عمليات الحزب ضد إسرائيل، إلا أن ذلك لم يحصل، بحسب رأيه، مضيفاً أن المؤسسة العسكرية كانت في مراحل معينة تسهّل واقعياً حركة الحزب أكثر مما كانت تحدّ منها.

كما ذهب إلى حد القول إن أي مسؤول كان يتولى موقعاً حساساً داخل المؤسسة العسكرية كان يحتاج عملياً إلى موافقة أو عدم اعتراض من الحزب، بحسب تقديره.

وفي ما يتعلق بالمفاوضات الحالية، رأى أبي سمرا أن المجتمع الدولي لا يزال غير مقتنع بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها، وهو ما يفسر، بحسب رأيه، رفض إسرائيل وبعض الجهات الدولية لفكرة الاكتفاء بمنطقة تجريبية جنوب الليطاني.

أضاف أن الدولة اللبنانية تستطيع، إذا أرادت إثبات جديتها، أن تذهب نحو منطقة نموذجية بين الزهراني والليطاني، تترافق مع إعلان حالة طوارئ وتعبئة عامة، وتحويل المنطقة إلى منطقة عسكرية خاضعة بالكامل لسلطة الدولة، بحيث يمنع فيها أي نشاط مسلح أو مالي أو سياسي خارج إطار المؤسسات الشرعية.

وختم بالتأكيد أن الجيش اللبناني يحتاج اليوم إلى دعم واسع لإعادة ترميم قدراته البشرية والتنظيمية واللوجستية، معتبراً أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في الجيش بل في الدولة اللبنانية بمجملها.

أضاف أن استمرار قنوات المال والسياسة والديبلوماسية المفتوحة مع الحزب يحد من قدرة الدولة على استعادة قرارها، معتبراً أن أي نجاح في إضعاف نفوذ الحزب داخل لبنان ستكون له انعكاسات مباشرة على موقع إيران التفاوضي في المنطقة، وأن معالجة النفوذ الإيراني تبدأ من لبنان قبل أي ساحة أخرى.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: