"15 سنة من العمل".. هكذا سُرق مستقبل اللبنانيّين

masare

وُلد، كغيره من اللبنانيّين، على أملٍ بسيط: أن يكبر، يتعلّم، يعمل، ويبني حياةً كريمة. منذ طفولته، سمع أنّ الاجتهاد هو طريق النجاة الوحيد، وأنّ المصرف هوك "الملاذ الآمن". كبر على هذه القناعات، فدرس، تعب، ودخل سوق العمل، مؤمناً بأنّ كلّ ليرةٍ يوفّرها اليوم، ستصنع أمان الغد.

مرّت السنوات ثقيلةً لكن ثابتة. عمل بلا توقّف، ادّخر من راتبه القليل، وتحمّل أعباء الحياة المتزايدة. تزوّج، أنشأ عائلة، وكبرت مسؤوليّاته، لكن الادّخار بقي خطّه الأحمر. كان يرى في الحساب المصرفيّ حصيلة عمر، وفي الفوائد ضمانةً للمستقبل. حلم بتعليمٍ لائق لأولاده، بطبابة لا تُرهقه، وبشيخوخة لا تقوم على الخوف أو الحاجة. لكن خلف هذا الحلم البسيط، كان النظام الماليّ اللبنانيّ يسير في اتجاهٍ معاكس. اقتصادٌ قائم على الاستدانة، مصارف تستقطب الودائع بفوائد مرتفعة، ودولة تموّل عجزها من أموال المودعين، من دون إنتاج حقيقي أو إصلاحات بنيويّة. على مدى سنوات، جرى استنزاف المال العام والخاصّ معاّ، فيما الثقة الشعبيّة كانت الغطاء الأكبر لهذا النموذج الهشّ.

ثمّ انهار كلّ شيء. في لحظةٍ واحدة، تحوّلت المصارف من حامٍ للمدّخرات إلى مصدرٍ للخسارة. فُرضت قيود غير معلنة، جُمّدت الأموال، وتبخّرت الحقوق. الليرة فقدت قيمتها، والودائع تحوّلت إلى أرقامٍ بلا قدرة شرائيّة. سنواتٌ طويلة من العمل أصبحت رهينة سياسات ماليّة ونقديّة غامضة، من دون أيّ محاسبة واضحة. حتّى القوانين التي وُعد بها الناس، كقانون الفجوة الماليّة، لم تقدّم حلولاً حقيقيّة. بدل أن تحدّد الخسائر وتوزّعها بعدالة، زادت الغموض، وفتحت باباً جديداً للتأجيل. المودع تُرك معلّقاً بين وعودٍ سياسيّة، وخططٍ غير مكتملة، فيما الوقت يعمل ضدّه، وقيمة ما تبقّى من مدّخراته تتآكل يوماً بعد يوم.

اليوم، يعيش واقعاً اقتصاديّاً لم يتخيّل يوماً أن يصل إليه. القدرة الشرائيّة تنهار، الأسعار ترتفع بلا ضوابط، والدخل لم يعُد يكفي أساسيات الحياة. المصاريف اليوميّة باتت عبئاً، والادّخار شبه مستحيل. القوانين تتغيّر، السياسات تتبدّل، وهو وحده في مواجهة مستقبلٍ ضبابي.

هذه ليست قصّة شخصٍ واحد، بل قصّة شعبٍ كامل. قصّة كلّ لبنانيّ وثق بمؤسّسات بلاده، ووضع تعبه في نظامٍ لم يحمِه. قصّة سنواتٍ ضاعت بين أزماتٍ متلاحقة، وسوء إدارة، وغياب رؤية اقتصاديّة، فيما القلق على الغد يتضاعف. بعد 15 سنة من التعب والادّخار، وجد اللبنانيّ نفسه أمام حقيقة قاسية: مصارف مهدّدة، مصرف مركزي باحتياطات محدودة، ونظام ماليّ عاجز عن إعادة الحقوق لأصحابها. كلّ ما جُمِع على مدى سنوات أصبح رهينة قرارات لم يكن المواطن يوماً شريكاً فيها.

اليوم، يعمل اللبنانيّ من نقطة الصفر. يسأل: أين نضع أموالنا؟ كيف نحمي ما تبقّى؟ وكيف نخطّط لمستقبلٍ في ظلّ هذا الفراغ المالي؟ وحتى لو وُضِع مسار إصلاحيّ فعلي، فإنّ نتائجه تحتاج من 10 إلى 15 سنة. لكن هل يملك الناس ترف الانتظار؟

الطالب، الشاب، الأب، الأمّ، المتقاعد.. لكلّ منهم زمنه واحتياجاته، ولا يمكن تجميد الحياة بانتظار تعافٍ طويل.

الحلّ لا يمكن أن ينتظر. والأمل اليوم يكمن في منصّات ماليّة غير تقليديّة، قائمة على آليات واضحة، وتوفّر إمكانيّة تراكم قيمة نقديّة يمكن الاستفادة منها عند التقاعد أو في مراحل متقدّمة من العمر.

منصّات تهدف إلى تأمين أمان ماليّ للأفراد عند كِبَر السن، في بلدٍ غابت فيه أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعيّة، وأصبح المستقبل المالي عبئًا فرديًّا لا جماعيًّا.

هذه المنصّات لا تُشكّل حلًّا جذريًّا، ولا يمكن أن تكون بديلًا عن دولة مسؤولة، لكنها باتت أحد أهم الحلول المتاحة اليوم لحماية ما تبقّى من تعب السنين، ولمنح اللبنانيّ وسيلةٍ واقعيّة للتخطيط لمستقبله بدل تركه رهينة الانهيار.

والسؤال يبقى: كيف نحمي مستقبلنا؟ وكيف نمنع أن تُسرق 15 سنة أخرى من حياتنا؟

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: