كثُرت في الآونة الأخيرة الشائعات والتأويلات والتفسيرات حول وجود جفاء وبرودة في العلاقة بين كل من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد، وقد حصلت في الفترة الأخيرة مناسبات عدة، ومنها قمة جدّة العربية الأخيرة، والتي تغيّب عنها الرئيس الإماراتي، فضلاً عن مناسبات أخرى لم يلحظ المراقبون مشاركة محمد بن زايد شخصياً في تلبيتها وحضورها.
بصراحة نقول إن صمت الرجلَين حيال ما يُقال ويُشاع عن توتر أو برودة أو قطيعة في العلاقات بينهما يساهم مساهمة كبيرة من حيث يريدان أم لا في ازدياد التحليلات والتكهّنات حول الجفاءالمستجد بين الرجلين.
مؤخراً كشفت صحيفة وول ستريت جورنال عن وجود خلاف بين الزعيمين الخليجيين، واصفةً الرجلين بأنهما " أعدقاء" بالإنكليزية (frenemies( أي حليفين لكن متنافسين منافسة شديدة.
أهم ما جاء في الوول ستريت جورنال بهذا الموضوع تأكيدها حصول اجتماع في شهر كانون الأول من السنة المنصرمة بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ومقرّبين جداً منه مع إعلاميين أبلغهم خلاله بأن الإمارات طعنت المملكة في الظهر.
ومما قاله ولي العهد أمام ضيوفه أنه لاحظَ بأن الإمارات تتخذ منذ فترة قرارات خارج الصف الخليجي، وأنه هو كولي عهد المملكة أرسل قائمة بالمطالب للإمارات.
ودائماً بحسب الوول ستريت جورنال (والتي لم ينفها أو يكذبها رسمياً الى الآن أي من الزعيمين) وصل ولي العهد السعودي في مقاربته الاختلافات حدّ التلويح بمقاطعة الإمارات كما حصل مع دولة قطر عام ٢٠١٧.
الصحيفة نشرت وقائع اللقاء مع ولي العهد السعودي وكلامه عن دولة الإمارات من خلال المعلومات التي وصلتها من شخص كان حاضراً اللقاء، وهو الذي سلّم المعلومات للصحيفة الأميركية.
هذه المعلومات تبيّن أن الخلاف السعودي- الإماراتي تركّز بخاصة حول ملفين :
ملف اليمن وملف أوبيك حيث أن أبو ظبي ليست موافقة على قرارات المملكة الأخيرة لجهة تخفيض الإنتاج وإقناع الرياض الدول الأعضاء بتخفيض نسبة الإنتاج يومياّ حتى مليوني برميل في شهر تشرين الثاني الماضي.
الإمارات اعترضت على هذا القرار معتبرةً أن المنظمة ودول الخليج مع هكذا قرار، إنما يثبتون اصطفافهم الى جانب الروس ضد الأميركيين، وقد إعتبرت الإمارات أن ذلك القرار سيؤدي الى حصول ردة فعل أميركية قوية هم بغنى عنها.
أبو ظبي أبلغت واشنطن عدم موافقة الإمارات على مثل هذا القرار، ما أدى الى شعور الرياض بطعنة في الظهر
على صعيد الملف اليمني، تنظر الإمارات الى التقرّب من الحوثيين على أنه أمر غير مستحب في التوقيت الحالي، مفضلةً استمرار القتال في اليمن.
الرياض كانت في هذه الأثناء قد بدأت مفاوضات غير مباشرة مع الحوثيين، الأمر الذي لم يرق للإماراتيين .
وجاء بعد ذلك تقرّب السعودية من إيران من دون التنسيق مع دولة الإمارات ليزيد في التوتر بين السعوديين والإماراتيين،
وفضلاً عن تلك الأسباب، تذكر صحيفة الوول ستريت جورنال سبباً اقتصادياً : فقوة الولايات المتحدة في المنطقة تراجعت وإيران لم تعد العدو الذي يهدّد الخليج، ما يشجع في أجواء الهدوء والسلام على تحفيز الاقتصادات في الخليج والمنطقة وهنا تبدأ المنافسة بين الشقيقين المتنافسين، لأن الرياض تنمّي اقتصادها بشكل كبير في منافسة شرسة مع أبو ظبي، كما في حالة اشتراط الرياض وجود مقرات رئيسية للشركات العالمية عند التعاقد مع الحكومة السعودية في المملكة لكافة دول الخليج، الأمر الذي إعتبرته الإمارات منافسة مباشرة لها كونها تحتضن فروعاً إقليمية للشركات الضخمة على أرضها.
السياسة الاقتصادية للمملكة ذهبت الى حدّ منافسة الإمارات في الدوري الإنكليزي، وقد اشترى السعوديون نادي نيو كاسل الإنكليزي، وهو من أنجح نوادي الدوري الانكليزي حالياً وأقواها، في وقت تمتلك الإمارات نادي مانشستر سيتي، الأمر الذي اعتبرته الإمارات منافسة سعودية لها في المجالات كافة.
وول ستريت جورنال كشفت عن انقطاع الاتصالات بين ولي العهد السعودي والرئيس الإماراتي منذ أكثر من ستة أشهر، وآخر لقاء كان بين الشيخ طحنون بن زايد وولي العهد السعودي بدل الرئيس الإماراتي نفسه،
هذا اللقاء الذي حصل نتيجة وساطة أميركية للصلح بين الإمارات والسعودية.
اهتمام واشنطن بالوساطة بين البلدين الخليجيين الشقيقين المتنافسين مردّه قلق الأميركيين من تصاعد الخلافات بينهما، ما سيؤثر سلباً على وحدة الصف الخليجي الحليف لواشنطن، خصوصاً وأن الأخيرة تريد توسيع إطار الاتفاقات الإبراهيمية وضم السعودية اليها، وبالتالي الحفاظ على الانسجام بين الدولتين الخليجيتين.
الأكيد أن لا عداء بين الزعيمين الخليجيين بل صداقة عميقة فرضتها من جهة اعتبارات خبرة الشيخ محمد بن زايد العريقة في سياسات المنطقة والعالم، ما جعل ولي العهد محمد بن سلمان يتخذه مستشاراً غير رسمي له للاستفادة من خبراته وعمره المتقدّم نسبةً
لولي العهد السعودي، ناصحاً وراشداً إياه بمحبة ووئام.
العلاقات القوية بين الرجلين تأثرت حتماً بمفاعيل اندلاع الحرب في أوكرانيا إذ إن النفط شهد ارتفاعاً في الأسعار، ما تسبّب بتدفقٍ نقدي في الخليج، وباتت بالتالي كل دولة خليجية تنظر في كيفية الاستفادة من ذاك التدفق لتطوير اقتصاداتها.
اختلاف التوجهات والطموحات وتعارض الرؤى الاقتصادية كلها عوامل ساهمت في حصول التباعد بين الرجلين اللذين يحبان بعضهما كثيراً مع ذلك، والعلاقات بين البلدين لا تزال قوية، وبالأمس شاركت دولة الإمارات في القمة الخليجية- الآسيوية التي انعقدت في الرياض من خلال حضور الشيخ محمد بن راشد، في وقتٍ حملت الطائرة التي تقلّه الى المؤتمر العلمَين السعودي والإماراتي، خارقةً البروتوكول المعتمد في مثل هذه الحالات.
اذاً ثمة منافسة … ثمة خلافات واختلافات في بعض التوجهات وحيال بعض الملفات الإقليمية والدولية إلا أن الاختلاف لا ولن يفسد في الودّ قضية بين البلدين وحتى بين الرجلين، والحديث المنسوب لولي العهد ليس دقيقاً، وبالتالي ما نُقل في صحيفة وول ستريت جورنال يفتقد الى الصحة، وهي في تقريرها حول العلاقة بين المحمَدين (بن سلمان وبن زايد) عكست اعتبار واشنطن أوبيك مشكلة، وقد أدرك الاميركيون خروج الخليج من تحت عباءاتهم التاريخية، وبالتالي باتوا بحاجة لاستغلال أي خلاف أو اختلاف للعودة من خلاله الى المشهد الخليجي.
لا عداء بل خلافات ومنافسة … كما بين كل دولتين لكل منها توجهات وسياسات ومصالح تتنافس مع الآخرين عليها …
هذ هو واقع العلاقة بين المحمَدين …