بعد الانسحاب من منظمة الصحة العالمية، تقترح إدارة ترامب إنفاق ملياري دولار سنويا لإنشاء نظام بديل لمراقبة الأمراض عالميًا وتتبّع تفشّيها، وهو الدور الذي كانت الولايات المتحدة تسهم في بنائه وتستفيد منه سابقًا بتكلفة أقل بكثير، وفقًا لثلاثة مسؤولين في الإدارة أبلغوا صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية.
ويهدف المشروع إلى إنشاء بديل تقوده الولايات المتحدة لإعادة بناء أنظمة مثل المختبرات وشبكات تبادل البيانات وأنظمة الاستجابة السريعة، وهي البنية التي تخلّت عنها واشنطن عندما أعلنت انسحابها من منظمة الصحة العالمية العام الماضي، إضافة إلى تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية. وقد تحدث المسؤولون بشرط عدم الكشف عن هوياتهم لمناقشة مداولات داخلية.
ورغم أن الرئيس دونالد ترامب اتهم المنظمة بفرض "مدفوعات مرهقة وغير عادلة"، فإن البديل الذي تدرسه إدارته سيكلّف نحو ثلاثة أضعاف ما كانت الولايات المتحدة تقدمه سنويًا للوكالة الصحية التابعة للأمم المتحدة. وتشير الخطة إلى أن واشنطن ستعتمد على اتفاقيات ثنائية مع الدول، مع توسيع حضور وكالاتها الصحية في عشرات الدول الإضافية.
وقال أحد المسؤولين إن "مبلغ ملياري دولار المخصص لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية يهدف إلى بناء الأنظمة والقدرات التي كانت منظمة الصحة العالمية توفرها لنا".
وتقود وزارة الصحة والخدمات الإنسانية هذه الجهود، وقد طلبت التمويل من مكتب الإدارة والميزانية خلال الأسابيع الأخيرة، ضمن مسعى أوسع لإنشاء منافس تقوده الولايات المتحدة للمنظمة. وقبل الانسحاب، كانت واشنطن تقدّم نحو 680 مليون دولار سنويًا بين مساهمات إلزامية وتطوعية، وهو ما كان يفوق في كثير من الأحيان مساهمات بقية الدول مجتمعة. وتمثّل هذه المساهمات نحو 15 إلى 18% من ميزانية المنظمة السنوية البالغة قرابة 3.7 مليار دولار.
ولم يقدّم متحدث باسم الوزارة تفاصيل إضافية حول المقترح، مكتفيًا بالقول إن الوكالة تعمل مع البيت الأبيض ضمن عملية حكومية مشتركة لتحديد مسار العمل المستقبلي في مجال الصحة العالمية والمساعدات الخارجية بما يحمي الأميركيين أولًا.
ويرى خبراء الصحة العامة أن المشروع سيكون مكلفًا ومن غير المرجح أن يضاهي نطاق وتأثير منظمة الصحة العالمية. وقال أحد الخبراء إن إنفاق ضعفي أو ثلاثة أضعاف التكلفة لإعادة إنشاء ما كان متاحًا بالفعل "لا يبدو منطقيًا من ناحية الإدارة المالية"، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة لن تحصل على نفس جودة أو اتساع المعلومات أو مستوى النفوذ الذي كانت تحققه من خلال عضويتها في المنظمة.
كما دعا إلى تحديد الإصلاحات المطلوبة والسعي لإعادة الانخراط مع المنظمة بدل محاولة بناء بديل يصعب إنشاؤه.
وفي بيان صدر الشهر الماضي عقب إتمام الانسحاب، أكدت وزارة الصحة أن الولايات المتحدة ستواصل قيادتها في مجال الصحة العالمية عبر التعاون المباشر مع الدول والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية، مع التركيز على الاستجابة للطوارئ والتنسيق في الأمن البيولوجي والابتكار الصحي.
من جانبه، حذّر أستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد شغل منصبًا قياديًا سابقًا في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية من أن المقترح يأتي بعد تخفيضات كبيرة في مساعدات الصحة العالمية كانت لها تبعات جسيمة، مؤكدًا أن الخطوة لن تعكس الأضرار، بل ستنفق أموالًا أكثر لإنشاء مؤسسة قد لا تستمر ولن تحقق سوى جزء من النتائج التي تحققت عبر التعاون الدولي.
وأضاف أن منظمة الصحة العالمية توفّر وصولًا عالميًا لا تمتلكه الولايات المتحدة، بما في ذلك دول مثل الصين وروسيا التي لا تشارك بياناتها الصحية مباشرة مع واشنطن بشكل روتيني.
وكان ترامب أعلن الانسحاب من المنظمة مع بداية ولايته الثانية، متهمًا إياها بسوء إدارة جائحة كورونا، وعدم تنفيذ إصلاحات، والتأثر بنفوذ سياسي لبعض الدول، إضافة إلى ما وصفه باستمرار مطالبة الولايات المتحدة بدفع مبالغ غير متناسبة مع مساهمات الدول الأخرى.
وأفادت المنظمة الشهر الماضي بأن الانسحاب الأميركي قرار يجعل الولايات المتحدة والعالم أقل أمانًا، مشيرة إلى أن الخطوة فاجأت خبراء الصحة العالمية والهيئات الدولية، نظرًا إلى أن واشنطن كانت العضو الأكثر نفوذًا في المنظمة منذ تأسيسها عام 1948 وأكبر مساهم مالي فيها تاريخيًا.