استهل البابا لاوون الرابع عشر، زيارته الرسولية الرابعة خارج الأراضي الإيطالية بالوصول إلى إسبانيا في رحلة تستغرق سبعة أيام تشمل مدريد وبرشلونة وجزر الكناري.
وتوجه الأب الأقدس فور وصوله إلى القصر الملكي بالعاصمة مدريد في زيارة مجاملة للعاهل الإسباني فيليب السادس، قبل أن ينتقل إلى قاعة "صالون الأعمدة" ليلتقي بممثلي السلطات المدنية والمجتمع المدني والسلك الديبلوماسي، حيث ألقى خطاباً بليغاً أعرب فيه عن امتنانه لهذه الزيارة التي تكشف الغنى الروحي والثقافي العريق لهذا البلد الذي استقبل الإنجيل منذ قرابة ألفي عام، مؤكداً أن العلاقة التاريخية بين الإيمان المسيحي والشعب الإسباني شكلت ثقافة البلاد وظلت مصدرًا للأمل والإلهام في مواجهة تحديات العصر.
وأوضح البابا أن الهدف الأساسي من زيارته يكمن في تشجيع المؤمنين على تجديد إيمانهم، وتعزيز ثقافة المصالحة والحوار والتعاون، مشدداً على أن تاريخ إسبانيا يثبت أن ثقافة اللقاء هي السبيل الحقيقي للاستقرار والازدهار في مواجهة الانقسام والصدام، ومحذراً في الوقت نفسه من الوقوع في فخ الأيديولوجيات والأفكار المسبقة التي تفصل الإنسان عن الواقع وتمنعه من الانفتاح على الحقيقة.
وفي هذا السياق، استرشد الحبر الأعظم بالخبرة الصوفية للقديسين يوحنا الصليب وتيريزا الأفيلية، مستشهداً بصورة "الليل المظلم" للتعبير عن الاضطرابات التي يعيشها عالم اليوم، ليؤكد أن النور يمكن أن يولد من قلب الظلمة وأن الأزمات تتحول إلى فرص للتجدد، مع التشديد على أهمية الحرية الدينية وحرية الضمير كحقوق أساسية لبناء مجتمع أكثر إنسانية.
ولم تخلُ كلمة قداسته من التحذير من تنامي ظاهرة الاستقطاب والانقسام في المجتمعات المعاصرة، حيث دعا إلى الاستثمار في الثقافة والتعليم والحياة الفكرية والروحية لكونها الأساس الحقيقي للحرية والمسؤولية، مشيراً إلى أن التقنيات الحديثة قد تسهم في نشر الأحكام المسبقة وإضعاف التفكير النقدي إذا أسيء استخدامها.
كما أشاد البابا بالإرث التاريخي للتفاعل الحضاري والتعايش بين المسلمين والمسيحيين واليهود في شبه الجزيرة الأيبيرية، موجهاً نداءً إلى أوروبا لتقدم نموذجاً للتضامن وخدمة الأسرة البشرية جمعاء.
وفي ختام خطابه، عبّر البابا لاون الرابع عشر عن تقديره لالتزام إسبانيا بالقانون الدولي والتعددية، داعياً إلى إيلاء اهتمام خاص بالفقراء والشباب عند رسم سياسات المستقبل، ومصلياً أن يبارك الله إسبانيا وشعبها ويوفقها في خدمة السلام والوحدة بين الشعوب.