لا تزال أصداء الخلاف القديم الجديد والمتجدّد باستفزاز إيراني جديد لدول الخليج حول حقل الدرة الخليجي النفطي والغازي بين كل من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت من جهة، والجمهورية الإسلامية في إيران من جهة أخرى، تتفاعل سياسياً وميدانياً وإعلامياً في منطقة الخليج العربي.
مسألة حقل الدرة اذاً عادت من الباب الواسع الى الواجهة مجدّداً فارضةً نفسها بقوة على الوضع الإقليمي بين دول الخليج، ولا سيما الكويت والسعودية، وتحديداً على العلاقة بين الرياض وطهران في ظل اتفاق بكين وعودة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين.
خلال الساعات الماضية، راجت بعض الأنباء عن أن القوات الملكية السعودية البحرية فرضت طوقاً على حقل الدرة وبأن أوامر صدرت للوحدات العسكرية الملكية البحرية السعودية بفرض السيادة السعودية مباشرةً على حقل الدرة ومياهه الإقليمية والاقتصادية كون هذا الحقل مشترك بين السعودية والكويت.
كذلك صدر موقف إيراني لافت عكسَ التناقضات التي يعيشها النظام الإيراني راهناً حول نظرته الى الجوار الخليجي، ولا سيما عودة العلاقات الديبلوماسية بين الرياض وطهران.
الإيرانيون يرفضون الترسيم البحري للحدود بين إيران والكويت، ويطالبون قبل ذلك باعتراف الكويت بسيطرة إيرانية أو بحصّة أربعين في المئة لإيران قبل البحث في أي ترسيم للحدود.
وسواء كانت الأنباء المتعلقة بفرض البحرية السعودية لسيادتها على الحقل صحيحة أم لا، فإن هذا الأمر بحد ذاته لن يكون مستغرباً إن تمّ لأن القوات البحرية السعودية لطالما كانت الأنشط بين دول الخليج في التصدّي للتمدّد الإيراني البحري، ولأنها لطالما أوقفت التدخّلات الإيرانية المباشرة في مناطق معينة داخل مياه الخليج العربي.
في الوقت نفسه، ثمة أمر يجب التوقف عنده بجلاء : إيران ليست في وارد استعداء السعودية حالياً، خصوصاً في هذا التوقيت، وهي لا تراهن على تدمير اتفاقها مع الرياض، إلا أنه في الحقيقة ثمة انقسام عمودي حاد داخل الحكم الإيراني بين نظريتين :
الأولى يمثّلها مجتبى علي الخامنئي، إبن المرشد وقسم كبير من الحرس الثوري الإيراني الراغب في استمرار الاتفاق مع الرياض للاستفادة اقتصادياً، وإيقاف الاحتجاجات الداخلية، والمضي قدماً في تعزيز هذا الاتفاق بأشكال مختلفة.
النظرية الثانية يتزعمها الرئيس الإيراني الحالي إبراهيم رئيسي ومَن معه من المعارضين للاتفاق والداعمين لرئيسي ومعارضين لمجتبى علي الخامنئي تقول بوجوب إفساد المصالحة مع السعوديين وإفشالها والمضي قدماً في هذا الاتجاه.
اذاً القرار الإيراني منفصم ومنقسم من أعلى هرم السلطة تجاه النظرة الى اتفاق بكين والعلاقات مع السعوديين، ولذلك وبغية معرفة حقيقة مواقف إيران من أزمة حقل الدرة يجب النظر الى ما لا تقوله طهران أي الى ما لا تنشره هذه الأخيرة .
من هنا، فإن الرياض تلعب على تلك التوازنات في الداخل الإيراني، وهي تعلم أن ثمة طرفاً إيرانياً لا يريد الاتفاق معها، مقابل طرف يريده أن ينجح ويتقدّم ويتطور مستعيناً بالصين كي يمضي هذا الاتفاق قدماً نحو المزيد من التطور وتعزيز العلاقة.
وبالرغم من كل ما قيل أعلاه، لا شيء يمنع أو يعيق حق الرياض في أي وقت من ممارسة سيادتها على أراضيها ومياهها الإقليمية والاقتصادية مع شقيقتها الكويت، وتحديداً في حقل الدرة حمايةً لمصالحها ومصالح أشقائها وشركائها في الخليج خصوصاً أشقاءها الكويتيين،
لذا لن يكون مستغرباً أبداً لو رأينا في لحظة ما تحرّكاً بحرياً عسكرياً ملكياُ سعودياً حول حقل الدرة، لأن الرياض التي واجهت ميليشيات إيران في اليمن وأوقفت المدّ الإيراني في مملكة البحرين، والتي ساعدت على إيقاف المدّ الإيراني في الكثير من الدول العربية لن يقف في وجهها تهديد ولو إيراني، على الرغم من اتفاق بكين، يمسّ أمنها وسيادتها أو أمن الكويت وسيادتها على حقل الدرة والمياه المحيطة به والمشتركة بين الدولتين.
الصحافي السعودي المشهور عضوان الأحمري المقرّب من مركز القرار السعودي أكد في تغريدته الأخيرة في الساعات الماضية أن مسألة اتفاق ناجح مئة بالمئة وحرص إيراني على تعزيز كل هذا الاتفاق مسألة بعيدة لأن الأفعى ستبقى تنفث سُمّها، لكن إيران في الوقت الحالي ليست في وارد نقض الاتفاق.
هذه التغريدة تختصر حقيقة الموقف الملتبِس داخل إيران تجاه الرياض واتفاق بكين، وتختصر حقيقة موقف الرياض من اتفاقها مع طهران، إذ إن السعوديين ليسوا بغافلين عن حقيقة صعوبة امتثال إيران للاتفاق، وفي الوقت ذاته عدم رغبتها في نقضه.
هناك اذاً إيرانان : إيران التي تريد للاتفاق مع السعوديين أن يمضي قدماً وإيران أخرى تريد عكس ذلك تماماً وتسعى في أي وقت لتفجيره.
المؤكد يبقى أنه إذا قرّرت إيران فرض أمر واقع على حقل الدرة، فإنها ستجد السعودية أولا بالمرصاد في مواجهتها، ولو أدى ذلك الى وقوع صدام عسكري مباشر بين البلدين، وستذهب الرياض الى كل الخيارات العسكرية رغم اتفاق بكين.
هذا الموقف السعودي الصارم والمبدئي حيال طهران في موضوع حقل الدرة سيظل يتعايش مع استمرار التواصل والحوار بين الرياض وطهران كما حصل مؤخراً من خلال اجتماعات منظّمة أوبيك، حيث التقى وزراء النفط السعودي والإيراني والكويتي وتحاوروا وتناقشوا في أمور أوبيك، ولذا يجب التنبّه الى أن كل إيجابية من الجانب السعودي مع إيران، لكن الى حدّ عدم المس بالسيادة السعودية أو الكويتية أو سيادة أي دولة خليجية أو حتى عربية.
أهمية حقل الدرة ليست في قيمته النفطية أو الغازية بقدر ما هي في أهميته السيادية، لاسيما وأن التخلّي عن حقل إن حصل سوف يعزّز تدخّل دول أو قوى أخرى وميليشياتها لتساوم على قضايا سيادية أخرى، من هنا فإن الخط الأحمر الذي تضعه الرياض في مواجهة طهران بموضوع حقل الدرة خط أحمر سيادي بامتياز، فالسعودية التي رفض وزير خارجيتها في عقر دار الإيرانيين عقد مؤتمره الصحفي في قاعة عُلّقت على جدرانها صورة قاسم سليماني، هي نفسها السعودية التي لا تتوانى عن اتخاذ الموقف الحاسم والحازم من أي تعدِّ على سيادتها وسيادة دول الخليج والمنطقة .
المهم أن الرسائل السعودية وصلت الى الإيراني، وأن وجود اتفاق لا يعني سماح الرياض باستباحة طهران لسيادتها وسيادة دول الخليج، ولو كلًف ذلك الصدام المباشر وأن حقل الدرة هو تحت سيادة عسكرية بحرية سعودية ملكية مع أوامر مشدّدة، وقد أُشيع في الساعات القليلة الماضية خبر انتقال قائد القوات البحرية الملكية السعودية الى المنطقة الشرقية للإشراف شخصياً على التوجيهات الأمنية والعسكرية في ما يتعلّق بأمن حقل الدرة وإحكام السيطرة عليه، من هنا على إيران أن تدرك عمق المسألة وخطورتها، وأن تتعقّل تحت طائلة مواجهتها لِما لم يكن في حسبانها.