بقلم جورج أبو صعب
مَن يتابع مجريات ما يحصل على الساحات الدولية، ولا سيما في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي، يخرج بانطباع مريب من أن ثمة شيئاً ما يتم إعداده على صعيد المعسكر الغربي عسكرياً واستراتيجياً ضد روسيا، على أمل أن لا يستجرّ لاحقاً الصين وكوريا الشمالية.
قمة استثنائية للناتو بكل المقاييس بمضامينها وتوقيتها وجدول أعمالها ومستوى الحضور ( قادة الدول ) عُقدت في العاصمة الليتوانية فيلنيوس، في ظل توترات وصلت الى أقصى حدودها بين دول الحلف وروسيا، مع احتدام المواجهة في أوكرانيا وإعلان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون تزويد كييف بصواريخ بعيدة المدى من طراز “سكالب” (SCALP) في اليوم الأول من انعقاد القمة.
مسألة انضمام أوكرانيا الى الحلف تبقى "الطبق الرئيس" على مائدة القادة الغربيين الذين يسعون لتمرير صيغته بأسلوب غامض كتجنّب تحديد جدول محدّد للانضمام، ما أثار حفيظة الرئيس فولوديمير زلنسكي حيث وصفَ عدم تحديد إطار زمني، سواء للدعوة أو العضوية، بأنه أمر سخيف وغير مسبوق، وأن عدم اليقين علامة ضعف، وأن ثمة فرصة سانحة للتفاوض على عضوية أوكرانيا في الناتو في المفاوضات مع روسيا، التي من جهتها تعتبر عدم وجود أجندة زمنية لانضمام أوكرانيا الى الحلف إشارة الى عدم نضوج القرار لدى الحلف، وبالتالي استغراق أمر انضمام أوكرانيا الى الناتو سنوات طويلة، من هنا فإن ما يهم الناتو هو استخدام أوكرانيا كأداة ردع لروسيا لا أكثر واعتبار موسكو أنه خلال سنتين ستحصل انتخابات جديدة في أوكرانيا، وكل شيء سيتبدّل باتجاه إنهاء الحرب واستغلال العرب لزيلينسكي.
أوكرانيا من جهتها تعتبر ان عدم انضمامها الآني الى الناتو لن يمنع حصولها من الحلف على ضمانات صارمة تحمي أراضيها غير المحتلة راهناً من الروس، فضلاً عن استحصالها في مقابل عدم انضمامها الآني الى الحلف على المزيد من الأسلحة، التي ربما تشمل مقاتلات اف ١٦ ودبابات ومروحيات أميركية.
أمين عام حلف الناتو ينس ستولتنبرغ أعلن في نهاية أعمال قمّة الحلف أن الأخير سيستمر في دعم أوكرانيا مهما طال الزمن، معتبراً أن هذه الأخيرة باتت أقرب الى الحلف من أي يوم مضى.
يبدو من المعطيات الديبلوماسية المتقاطعة أن الولايات المتحدة والمانيا لا تزالان متردّدتين في قبول انضمام أوكرانيا الى حلف تجنّباً لتفاقم الأزمة أكثر مع روسيا، وهذا ما يسهم بشكل كبير في تأخير وتأجيل انضمام أوكرانيا الى الحلف، علماً أنه ومنذ التسعينيات لا توجد حماسة في الحلف لانضمام أوكرانيا اليه،
وهذا ما يؤكده ستولتنبرغ عندما يشير بوضوح الى أن "أوكرانيا ستصبح عضواً في الناتو عندما يتفق الحلفاء ويتم التقيّد بالشروط".
أما الشروط التي يتكلم عنها، فمنها ما له علاقة بمعالجة كييف لملفات الفساد، ومنها ما له علاقة بكيفية سدادها لحصتها المالية السنوية (٢%) كباقي أعضاء الناتو، مع الإشارة الى أن أوكرانيا في حالة حرب وعجز مالي واضح ووضع اقتصادي صعب.
من هنا، فإن الناتو أمام معادلة تعويض على كييف عدم انضمامها الى الحلف أقله لسنوات مديدة، وقوامها حماية أراضيها ومنحها ما يلزم لردع أي اعتداء عليها، وتزويدها بأسلحة نوعية وفتّاكة للدفاع عن سيادتها.
وفي سياق متصل، قال ستولتنبرغ خلال مؤتمر صحفي في ختام القمة، إن قادة الحلف لم يحددوا جدولاً زمنياً لانضمام أوكرانيا، "لكن هناك حزمة قوية لكييف ومسار واضح لعضويتها في الناتو"، مبرِزاً أن "الحلفاء قدموا خطة دفاعية شاملة لمواجهة روسيا والإرهاب"، في إشارة واضحة الى الخطة البديلة التعويضية أعلاه .
في الوقت عينه، أعلن أمين عام الناتو إقرار الأخير بوجود قوة قوامها 300 ألف جندي على أهبة الاستعداد بما فيها قدرات جوية وبحرية لدعم أوكرانيا"، مؤكداً أن قادة الناتو اتفقوا على إرسال رسالة قوية لأوكرانيا عبر مواصلة دعمها عسكرياً وانضمامها للناتو مستقبلاً.
واللافت في التحشيد الأطلسي ضد روسيا ما جاء على لسان قادة الناتو بأن روسيا تمثّل أكبر تهديد مباشر لأمن الحلف، مؤكدين في الوقت نفسه عدم رغبتهم في مواجهتها أو تشكيل تهديد لها.
وأعربت دول "الناتو" عن رغبتها في تجنّب الصراع مع روسيا، وقالت "نواصل رغبتنا في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع موسكو لإدارة المخاطر وتخفيفها، ومنع التصعيد وزيادة الشفافية"، ما يعني أننا في لحظة لم تنقطع فيها الجسور بين الناتو والغرب وروسيا من خلال الإبقاء على قنوات التواصل، ومنها السفارات والبعثات الديبلوماسية في كل عواصم القرار لدى الطرفين، والتي تبقى مؤشراً يُقاس من خلاله وجود القنوات من عدمه، وبالتالي البعد أو الاقتراب من المواجهة الكبرى.
كييف مستعجلة في إنجاز هجومها المضاد المفضي الى طرد الروس من أراضيها قبل الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأميركية وبعض دول أوروبا، ولذا يسعى الرئيس زيلينسكي لتجييش وتجسيد كل مجالات الدعم ولا سيما العسكري لكييف، للتسريع في تحرير بلده من الاحتلال الروسي، فيما أجندات الدول الحليفة والصديقة لأوكرانيا ليست كلها على نفس الموجة والأولويات.
ثمة قلق آخر في أوكرانيا هو في أن تقلّ كميات الذخائر التي تُزوّد بها كييف، مع تدني مستوى الاحتياط العالمي في السلاح والذخيرة، الأمر الذي يزيد من الرغبة في استعجال الحرب المضادة وحسمها.
حقل ألغام يسير فيه الناتو، فهو لن يتخلى عن دعم أوكرانيا وتقويتها بالسياسة والاستراتيجيا والسلاح، لكن من دون الانجرار في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع روسيا.
وبين لغم وآخر، متنفّس لكييف يبقي مسألة الحسم مؤجلة وباباً تفاوضياً مفتوحاً مع موسكو ابتغاءً للتوصّل الى تسوية سياسية تضمن سيادة أوكرانيا ووحدة القسم الأكبر من أراضيها.