بعد ضخّ السعودية بعضاً من قوة في عروق إيران…هل تنسحب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط؟

istock-1154438278-1170x600

نشرت "وول ستريت جورنال" في عددها الأخير تقريراً يتناول مستقبل الوجود الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، جازمةً بأن واشنطن ستبدأ الانسحاب من المنطقة،
والمعروف عن وول ستريت جورنال دقة معلوماتها وصحتها خصوصاً أن البيت الأبيض لم يتوانَ يوماً عن نفي أو تأكيد ما تنشره هذه الصحيفة، وهو حتى لحظة كتابة هذه السطور لم ينفِ التقرير كما لم يعلّق عليه.
موقع سي ان ان بوليتيكس أكد من جهته مهاجمة ميليشيات إيرانية لقاعدة أميركية في سوريا، فيما
صحيفة وول ستريت جورنال ركّزت في تقريرها على موضوع انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط من خلال سحب أحدث مقاتلاتها منه، لاستبدالها بأخرى متقادمة أي قديمة الطراز، ونشر أحدثها في المحيط الهادي وأوروبا لمواجهة الصين وروسيا، ما يطرح علامة استفهام كبيرة حول طبيعة الانسحاب أي إن كان نهائياً أم مرحلياً.
واشنطن تريد الاحتفاظ في منطقة الشرق الأوسط بطراز المقاتلات القديمة من اف ١٥ واف ١٦ وطائرات اي ١٠ ثاندربورد، فيما تم إرسال مقاتلات اف ٣٥ واف ٢٢ رابتور الحديثة والمتطوّرة الى مناطق أخرى في المحيط الهادي وقارة أوروبا، مع الإشارة الى أن طائرات اي ١٠ ثاندربورن كانت شاركت في حرب العراق وهي طائرة إسناد للقوات البرية، وقد
تم تحديث تلك الطائرة أكثر من مرة لأنها فعّالة في الإسناد البرّي لكن عيبها أنها ثقيلة الوزن (٥٤٠ كلغ) ومدرّعة بالتايتينيوم ما يجعلها بطيئة الحركة وعالية الصوت.
صحيفة بيزنس انسايدر نشرت مقالاً هذا الشهر كشفت فيه أن الجيش الأميركي يفكر بإرسال طائرة اي ١٠ ثندربولد الى أوكرانيا، وتنطلق بزنس انسايدر في تقريرها من أن عدم قدرة أوكرانيا وروسيا على تحقيق التفوّق الجوي لن يساهم في غلبة أوكرانيا، كون سلاح الدفاع الجوي الروسي قادر على إسقاطها لأنها بطيئة الحركة.
وول ستريت جورنال تؤكد رغبة البنتاغون بسحب بطاريات الباتريوت من الشرق الأوسط أيضاً والاكتفاء بكتيبتَين في كامل الشرق الأوسط، فضلاً عن تخفيف عديد القوات الأميركية في المنطقة بحيث تحتفظ واشنطن بألفين وخمسمائة جندي في العراق وحوالي ٧٤٠ جندياً في سوريا، وبشكل عام الاحتفاظ بثلاثين ألف جندي في كل المنطقة.
صحيفة هآرتس الإسرائيلية كانت قد تطرقت الى الموضوع من خلال إشارتها في أحد أعدادها عام ٢٠٢١ الى أن القوات الأميركية في الشرق الأوسط هي أصلاً غير قتالية، ما يعني أن إدارة الرئيس جو بايدن تعمّدت عدم استخدام قوات مقاتلة في المنطقة بل مستشارين عسكريين،
حتى أن المخطط يتضمن أيضاً التقليل من عدد القطع البحرية في المنطقة وبخاصة في بحر الخليج، وقد طلبت الإدارة الأميركية من مصر مساعدتها على ضبط المساحات البحرية في المنطقة والقيام بمهام مع القوات المشتركة البحرية مؤلفة من كل دول الخليج ومعهم مصر والأردن وإسرائيل لحراسة الممرات البحرية كباب المندب وهرمز والسويس، وتكون هذه القوات المشتركة القوة البديلة عن القوات الأميركية.

هآرتس ذكرت أنه لطالما راودت إدارة بايدن فكرة الانسحاب من الشرق الأوسط، وكانت باكورتها الانسحاب المأساوي من أفغانستان ألا أن شيئاً ما تحقّق وجعل القرار الأميركي بالانسحاب أقرب الى الواقع أكثر من أي يوم مضى، وهذا الشيء تبيّن لاحقاً أنه توقيع الاتفاق السعودي- الإيراني- الصيني.
وهنا لا نبوح بسرّ إن قلنا إن إدارة جو بايدن فرحت جداً على عكس ما يُقال ويُشاع بهذا الاتفاق لأنه سهّل لها اتمام الانسحاب من المنطقة والتركيز على الصين وروسيا.
ومع ذلك فالبيت الأبيض لا يزال يراهن على فشل هذا الاتفاق رغم أنه في نفس الوقت يدعمه ويؤيده للسبب الذي ذُكر أعلاه.
واشنطن إعتبرت الاتفاق السعودي- الإيراني قصير الأجل لكنه راهناً يفي بالغرض الذي تريده واشنطن منه ألا وهو سحب السلاح النوعي لنشره واستخدامه في أوروبا والمحيط الهادي لمواجهة العدوَين الحقيقيَين بنظر واشنطن أي روسيا والصين، وطالما أن التوترات في المنطقة سائرة ولو موقتاً نحو التبريد والتفاهمات فإن واشنطن تريد الاستفادة من تلك الأجواء الإقليمية للتوجه نحو العدوين اللدودين لها.
وهنا يُطرح السؤال الإستنتاجي: ألم تخدم المملكة العربية السعودية والصين مصالح واشنطن بإبرام هذا الاتفاق مع الإيرانيين؟ الجواب بلا بالتأكيد خدموها ومن حيث قد لا تريد بكين إلا أن الخدمة غير المباشرة تحققت لواشنطن وأراحتها من الحشد العسكري في المنطقة واستنزاف طاقاتها الحربية فيها بدل التحضير والتركيز على مواجهة أعداء أميركا الحقيقيين.
من هنا فإن واشنطن ستقدم، وقد تكون بدأت بذلك، على الضغط على إسرائيل لإبقاء الوضع الإقليمي على حاله أي من دون مهاجمة البرنامج النووي الإيراني وإثارة الفوضى والتوترات مجدداً في الشرق الأوسط، فواشنطن لن تساعد حالياً تل أبيب على ضرب إيران أقله في المرحلة الراهنة، رغم الكلام التصعيدي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الذي يلحّ على الأميركيين إرسال طائرات التزوّد بالوقود استعداداً لضربة عسكرية لإيران، لكن واشنطن لن تلبي طلب نتانياهو حالياً وهي بصدد التركيز أوروبياً وآسيوياً لمواجهة الروس والصينيين.
في هذه الأثناء، سيستمر مسلسل تعرّض قواعد عسكرية أميركية للمزيد من هجمات المسيّرات الإيرانية لِما في ذلك من خدمة لروسيا أيضاً، لأن موسكو تريد إلهاء الأميركيين عن حرب أوكرانيا بإبقاء التصعيد في المنطقة قائماً، لكن واشنطن لن تقصف طهران للردّ على الهجمات ولن تسعى لأي تصعيد بل سيتركز ردها على الميليشيات الإيرانية في سوريا كما هو حاصل حالياً من باب "رفع العتب" وتهدئة أي تصعيد، لأن واشنطن تدرك جيداً أن غاية طهران من استفزاز الأميركيين هي لجرّهم الى الرد العنيف على إيران وإلهائهم، وبالتالي عن حرب بوتين في أوكرانيا، في نفس الوقت الذي إن استمر هذا التصعيد وتفاقم فمن شأنه فتح الباب لتفلّت طهران من التزاماتها تجاه المملكة العربية السعودية والصين بحجة تعرّضها للعدوان والدخول في مواجهة مع الأميركيين وربما الإسرائيليين، وبالتالي إيجاد الحجة لتعليق مفاعيل الاتفاق مع السعوديين الذي يخنق الإيرانيين خنقاً كبيراً في المنطقة وفي مشروعها الإقليمي، وهو الأمر الذي لا تريده واشنطن في هذه اللحظة وهي منهمكة في إعداد مواجهتها الكبرى مع روسيا والصين.
بالمقابل يُلاحظ أنه، في الوقت الذي تردّ فيه واشنطن على الهجمات بضرب الأراضي السورية حيث ميليشيات إيران، يتزامن ذلك مع عودة سوريا بخطوات ثابتة الى الحضن العربي، وفي وقت تتحضر وزارتا خارجية المملكة وإيران للقاء بين وزيري الخارجية السعودي والإيراني للبحث في مراحل عودة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين بالتزامن مع افتتاح الرياض قنصلية لها في دمشق.
على صعيد موازٍ ومتقاطع، أيقنت واشنطن، بعد زيارة الزعيم الصيني شي جين بينغ لروسيا، حصول تحالف صيني- روسي لمواجهة الناتو، ومن هنا تبدّل أجندة أولويات البيت الأبيض من المنطقة الى خطوط المواجهة مع الروس والصينيين، وقد أتاها الاتفاق السعودي- الايراني في توقيته المناسب، وبالتالي فإن واشنطن تعمل على فكّ ارتباطها موقتاً بالمنطقة للانصراف لما هو الأهم في استراتيجيتها.
وبناءً على كل ما تقدّم أعلاه، يمكن الجزم بأن انسحاباً أميركياً من المنطقة قد بدأ بالتزامن مع تركيز أميركي في المحيط الهادىء وأوروبا، فيما الصين ضمنت قربها من الخليج ومن المملكة العربية السعودية تحديداً، وبالتالي نحن أمام انقلاب في المشهد الإقليمي وأمام إعادة خلط أوراق المنطقة، والأنظار كلها متجهة إقليمياً الى إيران وامتحان تنفيذها الاتفاق مع السعوديين، ودولياً الى الناتو وامتحان مواجهته بكين وموسكو في ظل كلمة سرّ أميركية لحلفائها الإقليميين وحتى الدوليين وعلى رأسهم بريطانيا بعدم التصعيد مع إيران وامتناع أوروبا عن إدراج الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية في لندن تجنّباً لتصعيد إيراني.
فهل يمكن بعد كل هذا أن نقول بإن إيران وأيضاً في هذه الفترة الموقتة عادت لتكتسب بعضاً من قوتها ضد الأميركيين بأوكسجين الاتفاق مع المملكة العربية السعودية، ما يفسّر استقواءها في الأيام الأخيرة من خلال قصف مواقع أميركية في سوريا في ظل رد أميركي باهت.
كثير من التقاطعات تُسجّل في المشهد الإقليمي الجيو سياسي الهائج والمائج والأوضاع مفتوحة على كل الاحتمالات.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: