"جاذبية" النموذج الأميركي…بين تراجع الدور الروسي و "الهاي تك" الصيني!

1675438512119

تكاثرت في الآونة الأخيرة التحليلات والتوقّعات وربما تخيّلات أبواق جوقة الممانعة في المنطقة ولبنان التي تتحدث عن انتهاء الأحادية الأميركية وحكم القطب الأوحد في العالم، لصالح تعدّدية صينية- روسية- أميركية، وبنىَ البعض مواقفه وحساباته السياسية على هذا الافتراض في الكثير من المحطات الإقليمية والمحلية.
منذ يومين انعقدت في الرياض فعاليات مؤتمر رجال الأعمال العرب والصينيين 2023 في دورته العاشرة بمشاركة 150 متحدثاً و3 آلاف شخصية من صنّاع القرار في 23 دولة، حيث أكد
الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله وزير الخارجية السعودي، في كلمة له خلال المؤتمر "أن المؤتمر يُعدّ فرصةً للعمل على تعزيز وتكريس الصداقة العربية- الصينية التاريخية، والعمل على بناء مستقبل مشترك نحو عصر جديد يعود بالخير على الشعوب، ويحافظ على السلام والتنمية في العالم.
وأضاف بأن المؤتمر يؤكد الأهمية البالغة والإمكانات الكبيرة والرؤى المشتركة التي تكمن في العلاقات الاستثمارية والتجارية بين العالمَين العربي والصين، ويسلّط الضوء على كيفية التوافق المشترك وتبادل الخبرات وإطلاق فرص جديدة للنمو والاستثمار التي من شأنها تحقيق الرخاء والتقدّم والازدهار لشعوب المنطقة والعالم.
الوزير السعودي أوضح أن الصين تُعدّ الشريك التجاري الأكبر للدول العربية، حيث بلغ إجمالي حجم التبادل التجاري بين الجانبين 430 مليار دولار عام 2022 بمعدل نمو بلغ 31 بالمئة مقارنة بعام 2021 .
وسيناقش المؤتمر عدة موضوعات من بينها دور المشاريع العملاقة في إعادة تصوّر مدن المستقبل، والطرق المبتكرة لإنتاج الطاقة النظيفة والطاقة المتجدّدة والحدّ من الانبعاثات الكربونية.
كلام الوزير السعودي، مع أنه جاء متوازناً وواضحاً ومحدّداً نقاط التشارك مع الصينيين، إلا أنه أطلق لدى البعض تخيّلات وصلت الى حدّ الإعلان عن خروج العرب والخليجيين عن الشراكة مع الولايات المتحدة الاميركية والالتحاق بالصين كبديل عن أميركا، الى ما هنالك من مواقف وإرهاصات فكرية أبعد ما تكون عن الحقيقة والواقع.

من المؤكد أن الصين نجحت في السنتين الأخيرتين بإحداث خرقٍ مهم في منطقة الشرق الأوسط من بوابة الخليج وتحديداً البوابة السعودية، وما الاتفاق الإيراني- السعودي الا وجهاً من أوجه نجاح هذا الخرق. صحيح أن المملكة العربية السعودية تعتزم الانضمام الى منظمة شنغهاي وتجمّع دول "بريكس" في إطار سياسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بجعل المنطقة "أوروبا ثانية" إلا أن الصحيح أيضاً أن، لا السعوديين ولا العرب في وارد التمرّد على الولايات المتحدة وقطع العلاقات معها وإدارة ظهورهم لها لأسباب عدة سوف نحاول اختصار أهمها، مع الإشارة الى أنه لم ينجح أحد الى الآن في تفكيك ركائز قوة أميركا الرئيسية.
أما مرتكزات هذه القوة أو أسبابها فهي :

  • السبب الأول استراتيجي وهو أن الولايات المتحدة التي تملك أكثر من ٨٠٠ قاعدة عسكرية عبر العالم، في مقابل ٣ أو ٤ قواعد صينية خارج حدود الصين لا تزال ممسكة بالأمن الاستراتيجي والاستخباراتي والسيبيري العالمي، وبالتالي هذا الوجود الأميركي على مساحة الكرة الأرضية لا يمكن محوه أو استبداله أو تجاهله خصوصاً في مواضيع الأمن والإرهاب ومكافحة التهديدات العسكرية في أي بقعة من بقاع الأرض.
  • السبب الثاني هو أن المنطقة العربية لطالما اعتمدت ولا تزال أنظمة الحوسبة والمعلوماتية والتكنولوجيا الأميركية المتطوّرة، والتي تُستخدم على نطاق واسع ومعمّق في مختلف حكومات دول المنطقة ومؤسساتها وشركاتها ومصارفها، ما يجعل من الصعوبة لا بل الاستحالة بمكان أي إمكانية لتبديلها بتكنولوجيا أخرى وأنظمة حاسوبية أقل تطوراً وانتشاراً واعتماداً.
  • السبب الثالث هو أن "الجاذبية" التي يتمتع بها النموذج الأميركي الى الآن أدى اعتماد الكثير من الدول هذا النموذج، رغم اهتزاز صورة الولايات المتحدة في أكثر من محطة عنفية في العالم حيث أعطت واشنطن عن نفسها أحياناً كثيرة صورةً لا تتناسب مع ما كان يُشاع عن الحلم الأميركي واحترام الحريات والحقوق لدى الشعوب والأمم، ومع ذلك لا يزال النموذج الأميركي هو الأفضل خصوصاً اذا ما قورن بالنموذج الصيني المنغلق ثقافياً ولغوياً وتراثياً وسياسياً على ذاته، بما لا يسمح للأجانب من دخول تلك الهوية والتشرّب منها، فضلاً عن كونها لا تزال ثقافةً مبنّية على عقائد وأفكار متحجّرة لا تصلح ولا تتماشى مع حاجات الشعوب الحديثة للتقدّم والتطوّر والانفتاح.
  • السبب الرابع هو سيطرة الدولار الى الآن كإحتياطي عملات مقبول في تسوية المدفوعات. صحيح أن هناك محاولات للتقليل من هيمنته من خلال تبادلات دول مثل البرازيل وإيران والصين لإحلال البترو يوان الصيني بدل البترودولار الأميركي، وهو أمر مبكر جداً ليتحقّق، وبالتالي تلك المحاولات ليست معمّرة.
    يضاف الى كل ذلك أن الغرب الاستعماري تاريخياً هو الذي كان يحرّك النظام النقدي العالمي منذ العملة الهولندية ثم الجنيه الاسترليني فالدولار الأميركي، في الوقت الذي لم نسمع فيه بالمقابل أن ثمة عملة شرقية مهيمِنة يمكن أن تكون بديلاً عن العملات الغربية على الساحة الدولية.
    صحيح أن رفع أسعار الاحتياطي أثّر لدى الكثيرين، كما أن سياسة تسليح الدولار واستخدامه في فرض العقوبات حملت بعض البنوك المركزية على التشكيك بقيمة ومصداقية الدولار، إلا أن الواقع الحالي لا يزال يولي الدولار السيطرة نظراً لغياب العملة البديلة القادرة على حمل إرثه.
  • السبب الخامس هو براءات الاختراع والفجوة التكنولوجية التي لا يمكن إنكارها، فالولايات المتحدة الأميركية اليوم تشكل الثورة الصناعية الرابعة بامتلاكها أدوات تلك الثورة دون سواها،
    فالفجوة التكنولوجية كبيرة جداً بين الأميركيين والصينيين والروس، وحتى بين الصينيين أنفسهم الذين يبتكرون التكنولوجيا و" والهاي تك " والنظام الحاسوبي وهم مدركين مدى تفوّق الأميركيين عليهم، بالتالي وانطلاقاً من مجمل هذه الأسباب ليس منطقياً ولا واقعياً الحديث عن زوال أميركا أو اقتلاعها عن عرش الأحادية الدولية، ولو أن العالم لم يعد أميركياً بحتاً من حيث الهيمنة المطلقة، إلا أن لا الصين ولا روسيا أثبتتا الى الآن القدرة على منافسة الأميركيين على الساحة الدولية ندّياً، ما يعزّز فرص عودة واشنطن الى الساحات الدولية بعدما عانت من مخلّفات انكفاء غير موفّق دفعت أثمانه السياسية دولياً وعلى مسارح الصراعات الدولية كما في الشرق الأوسط .
    الأحادية القطبية لا تزال للولايات المتحدة رغم نقاط الضعف والانحلال والخلل في مناطق كثيرة من العالم، فيما الصين على طريق المنافسة وروسيا في حالة تراجع أمام التكلفة الباهظة والمرهِقة لها في حربها في أوكرانيا ومواجهتها المعسكر الغربي العنيد.
المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: