بقلم جورج أبو صعب
بلغ التصعيد بين كييف وموسكو مرتبة خطيرة ومتقدّمة تُنذر بتداعيات خطيرة على الحرب في أوكرانيا، وتفتح الأبواب أمام كل الاحتمالات بما فيها السيئة جداً.
ما حصل من ضربة أوكرانية لجسر القرم، وللمرة الثانية، شكّل ضربة معنوية لموسكو ولجبروت قيادتها، في وقت تقوم فيه القوات الأوكرانية بتنشيط هجومها المضاد في مناطق ساخنة عدة في الشرق والجنوب.
الاستخبارات العسكرية الأوكرانية شرحت أهمية هذه الضربة، معتبرةً أن موسكو تستخدم القرم كمركز لوجستي كبير لنقل القوات والأسلحة وهذا ما يشكّل ضربة لها.
الرئيس فلاديمير بوتين توعّد بالردّ فيما وزارة الدفاع الروسية تدرس مجموعة خيارات.
التصعيد المستجد في القرم خرقَ خطوط الكرملين الحمر، ويبدو أن الحرب دخلت مرحلة "الإيلام" المتبادَل بين الطرفين، ما يعني توجه الطرفين المتصارعين كل من جهته الى إيقاع أكبر قدر من الألم والخسائر لدى الطرف الآخر، وهذا ما بدأ حلفاء كييف يتنبهون له، الأمر الذي بدأت معه ملامح تململ لبعض الدول الأوروبية وآخرها موقف وزير الدفاع البريطاني الذي انتقد بشدّة طلبات الرئيس زيلنسكي الضاغطة، وأرفق موقفه لاستقالة قَبِلها رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك لتجنّب الحرج تجاه الأميركيين والأوروبيين الداعمين لكييف.
طبعاً لا ننسى موقف بلغاريا الرافض لتقديم مساعدات عسكرية لكييف، وقد صرّح الرئيس زيلينسكي خلال مؤتمر صحفي في العاصمة البلغارية صوفيا مؤخراً بما حرفيته :" تحدثتُ مع الرئيس اليوم، وعّبر عن رأيه في ما يتعلق بتقديم المساعدة للدفاع عن أوكرانيا. لدينا آراء مختلفة حول هذه القضية. يعتقد أنه - لا - سيكون تصعيدًا تقديم المساعدة لأوكرانيا، وأنا أعتقد أنه - لا - إنها للدفاع، وهذه فلسفة مختلفة تمامًا".
ولا ننسى موقف رئيس وزراء المجر فيكتور اوربان الرافض للحرب والتسليح .
مجمل هذه المواقف واكبت قمة الناتو الأخيرة التي عادت وأكدت في بيانها الختامي ومواقف العديد من رؤساء الدول استمرار دعم كييف وزيادة قيمة المساعدات العسكرية كما الجانب الأميركي .
كل هذه المعطيات معطوفة على ضربة جسر القرم تجعلنا نستخلص الآتي :
- أولاً : الخبر في أوكرانيا الى مزيد من التصعيد المدمّر والناتو وحلفاء كييف يقفون على حافة التورط المباشر ضد روسيا، ومن هنا نشهد طفو بعض الانتقادات والمواقف الرافضة على السطح في الآونة الأخيرة .
- ثانياُ : حرب أوكرانيا تتحوّل يوماً بعد يوم وبموازاة كونها من الأساس حرب تحرير مشروعة للشعب الأوكراني ضد الغازي الروسي حرب أميركا بالواسطة ضد روسيا في سياق الصراع الدولي على قيادة العالم وإسقاط الأحادية الأميركية الحالية .
- ثالثاً : ضرب جسر القرم هو ضرب للعمق الاستراتيجي للجيش الروسي والقدرات الروسية، وبالتالي تُعتبر ضربة لما وراء خطوط العدو، الأمر الذي قد يدشن مرحلة جديدة للحرب تشهد ضربات متبادلة في أعماق كلي الطرفين الاستراتيجيين.
- رابعاً : الضربة المعنوية للجسر الحيوي المهم جداً لموسكو تٌترجم أيضاً قدرة أوكرانية على ضرب العمق الروسي وضرب الخطوط الحمر الروسية كافة، باعتبار القرم أرضاً أوكرانيةً محتلة لا خطاً أحمر روسياً كما تراه موسكو .
الهجوم المضاد الأوكراني البطيء يعادله ضرب المواقع الاستراتيجية الروسية واستهداف مواقع الاتصالات والذخائر والعمق الاستراتيجي ربما للتخفيف من الضغوط على الجبهات الأوكرانية الملتهبة. - خامساً : الضربة الأوكرانية للجسر أظهرت مرة جديدة ضعف الدفاعات الجوية الروسية في حماية أماكنها الحساسة، فإن ننسى فلا ننسى درون الكرملين، كما لم ننسَ هجمات بلغورود وسواها، ما يعني أن ثمة خللاً في قوة روسيا الدفاعية الجوية خصوصاُ في حماية مراكزها الحساسة، علماً انها المرة الثانية التي يٌستهدف فيها جسر القرم ولم تتمكن القوات الروسية بأجهزة استخباراتها ودفاعاتها الجوية والأرضية والبحرية من إحباطهما.
بعد ضرب سدّ كاخوفكا من قبل الروس، انطلقت حرب الجسور والسدود بين الطرفين والعين على محطة زابوريحيا النووية المحتلة من الروس وما يمكن أن يتسبب أي اعتداء من كوارث مدمرة .
يجب أن لا ننسى أن اعتراف ١٤٤ دولة بسيادة واستقلال أوكرانيا في مقابل ٤ دول فقط وقفت في حينه الى جانب روسيا أمر تاريخي ثابت، وبالتالي فإن كان للقانون الدولي والمعاهدات الدولية والمواثيق الدولية من دور فهي في حماية الدول وسيادتها من أي اعتداء أو غزو والا بطٌلت فاعليتها .
روسيا قررت التخلي عن اتفاقية تصدير الحبوب ورغم تصريح الناطق الرسمي باسم الكرملين بنفيه العلاقة بين هذه الخطوة وضربة جسر القرم الا أن كل الأدلة المنطقية والسياسية تأخذنا الى اعتبار الخطوة انتقامية بغض النظر عن خطورتها وما يمكن أن يتسبب القرار من مجاعات عالمية خصوصاً في الدول النامية والمحتاجة .
واشنطن اعتبرت القرار الروسي بالانسحاب من اتفاقية الحبوب عملاُ وحشياً.، في حين أن نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي ديميتري ميدفيديف طالب بضرب الإرهاب في كييف، أي أن موسكو قد تكون بصدد وضع خطط إنتقامية تصل الى حد استهداف مراكز القرار الأوكراني في كييف وتعريض حياة الرئيس زيلنسكي شخصياً للخطر .
الحرب اذاً أمام انعطاف أخير ومصيرها الى الآن مجهول، لكن الأكيد أن العالم دخل مرحلة جديدة محفوفة بمخاطر جمة يُرجى أن لا تؤثر على مجمل معادلات المناطق الساخنة في العالم وفي طليعتها الشرق الأوسط .