خفايا صراع الثنائي بوتين- فاغنر: تداعيات الشركة وشراكة الميليشيا مع الدولة!

4b1a648e-813b-44c0-b76a-4b69e3f12b52

حتى لو انتهت موقتاً فصول الصراع العسكري بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ويفغيني بريموجين، إلا أن ملف المنازلة السياسية لم ينتهِ بمجرد نفي بريغوجين الى منسك وعودة عناصر فاغنر الى مواقعهم، لأن المسألة كما تكشّفت عنها المعلومات والمعطيات منذ انتهاء "زحف " بريغوجين نحو موسكو أظهرت وجود أكثر من خلاف لا بل من نقطة صراع بين الطرفين.
بداية، دعونا نشير الى أن ما حصل بين الكرملين وفاغنر في ذلك اليوم من تمرّد وشبه انقلاب شكّل نموذجاً إضافياً من نماذج مصير العلاقات بين دولة وميليشيا، وهو ليس النموذج الوحيد بالطبع لمثل هذا النوع من الانقلابات، إذ يكفي على سبيل المثال لا الحصر النظر الى ما يحصل حالياُ في السودان من حرب أهلية بين جيش الدولة وميليشيا التدخّل السريع، وما يُسفر عنه القتال المتواصل من تخريب وتدمير للدولة والمؤسسات ومقدّرات الشعب السوداني.
كذلك نتطّلع الى نموذج العراق بين دولة مركزية وجيش عراقي طري العود حديث المنشأ وبين ميليشيات إيران من حشد شعبي وحزب الله العراقي وفصائل إيرانية أخرى تنخر في عظام الدولة والمؤسسات وتساهم في عدم تمكين العراق من التقدّم والتطور والانفتاح واستعادة دوره السيادي والعربي والإقليمي الكامل، وصولاً الى لبنان ونموذج حزب الله المسيطر والمتحكّم بكافة مفاصل القرار والدولة والمؤسسات، والتي باتت أدوات تنفيذ بيده لسياساته وأجندته الإقليمية على حساب الشعب واقتصاده ومقدّراته وثرواته وأمنه وسيادته واستقلاله،
وبالتالي ما حصل بين الكرملين وفاغنر وجهٌ جديد آخر من أوجه انقلاب الميليشيا على حكم الدولة ومنطق المؤسسات، وكلها تجمعها ظاهرة واحدة ملفِتة : إنقضاض الميليشيا والجيش الموازي على حلفائهما ورعاتهما ودائماً بهدف تقاسم حصة أكبر من السلطة والثروات.
يفغيني بريغوجين هو صاحب أحدث جيش موازٍ للجيش الروسي، لا بل مجموعة مرتزقة انقلبت على راعيها الرئيس فلاديمير بوتين.
الصراع بدأ منذ بضعة أسابيع بخلاف حول اإمدادات العسكرية لمجموعة فاغنر، فضلاً عن الخلاف حول القيادة العسكرية في وزارة الدفاع، هذا الصراع انتهى بمحاولة شبه إنقلابية غريبة في توقيتها وتنفيذها وأسلوب تقدّمها وأهدافها المعلنة باحتلال موسكو وتعيين رئيس جديد للدولة.
التسوية من خلال الرئيس البيلاروسي الكسندر لوكاشينكو كانت متوقّعة وإن لم تكن واضحة المعالم، لاسيما وأن الخصم ليس أي ميليشيا بل أكبر وأحدث ميليشيا وأفعلها، والتي موّلها الكرملين وأكسبها المزيد من القوة والفعالية، وقد راهنَ الرئيس بوتين على ولائها لدرجة تسليمها معركتي باخموت وخاركييف بدل إيلاء الأمر للجيش النظامي الروسي، إلا أن الحقيقة المرّة التي واجهها الرئيس بوتين جعلته يدرك في لحظة التمرّد أن الميليشيا، أي ميليشيا ومهما كانت له أفضال عليها، لا بد وأن تعود وتنقلب عليه كما يحصل مع أي ميليشيا في أي بلد آخر.
لا شك بأن الرئيس بوتين أدرك ولو متأخراً أن ليس هناك صيغة تعايش مضمونة بين الدولة والميليشيا مهما كانت طبيعة العلاقات وقوتها ودرجات التنسيق بينهما والثقة التي يوليها لها وبإنجازاتها، لأن الميليشيا تبقى ميليشيا مهما غذّيتها ودعمتها بالمال والإمكانات والصلاحيات، فهل يمكن مثلاً نسيان ماذا فعل حزب الله في ٧ أيار عام ٢٠٠٨ في بيروت عندما انقلبَ على الدولة بغزو بيروت بقوة سلاحه، وماذا فعل الحزب في ١٤ شباط ٢٠٠٥ عندما انقلب على الدولة والنظام العام وقتلَ رئيس وزراء لبنان السابق الشهيد رفيق الحريري، والذي أثبتت المحكمة الدولية عام ٢٠١١ مسؤولية الحزب- الميليشيا عن عملية الاغتيال.
ميليشيا كحزب الله في لبنان تقتل رئيس وزراء ثم تقتل النظام السياسي الذي نسجَه رئيس الوزراء ثم تسنّ قوانين جديدة لإحكام قبضتها على مفاصل الدولة وقرار الحرب والسلم فيها،
حتى أن الحرس الثوري الإيراني كجيشٍ موازّ للجيش النظامي الإيراني يتحكّم بمفاصل الدولة الإيرانية وهو ميليشيا لا يرقى الى مستوى الجيش النظامي، لكن مع الوقت يكاد يصبح أكبر من إيران نفسها لا بل دولة ضمن الدولة.
في هذا السياق، نتذكّر التسجيل الصوتي المسرّب لوزير الخارجية الإيراني السابق جواد ظريف حين انتقد سيطرة الحرس الثوري على السياسة الإيرانية الخارجية وإدخال إيران في حرب في سوريا، وفرض قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني لشروطه في موضوع التفاوض في شأن سوريا، حيث شكى ظريف من أن الحرس الثوري جعل الديبلوماسية خاضعة لاحتياجات ساحة القتال في المنطقة، بالإضافة الى سيطرة الحرس الثوري على المالية والاقتصاد والتجارة والأمن والتجسس وسواها من قطاعات.
الحرس الثوري الإيراني مهمته حراسة الثورة ونظامه لكنه أصبح هو مَن يقود الثورة والنظام في توجهاته السياسية والجيو استراتيجية والجيو سياسة، أي أنه نفخَ وجوده وتأثيره وضاعفَ قبضته على البلاد وسياساتها وحكمها.
الرئيس بوتين لم يكن يتوقّع أن تنقلب عليه فاغنر يوماّ وتسعى للإطاحة به في موسكو، وهو الذي أقرّ بلسانه كل الدعم المالي الذي كان الكرملين قد أمّنه للميليشيا كي تبدو في أفضل حالاتها وتكون بتصرّف الكرملين في أي وقت وفي مواجهة أي تحدٍّ.
اليوم وبعد الذي حصل، تأذت صورة الرئيس بوتين كثيراً حيث أٌلحقت بها هزيمة معنوية كبيرة بلغت حدّ إبداء واشنطن قلقها على مصير الرئيس الروسي وكأن واشنطن باتت معنية بسلامة بوتين، فيما عبد الرب تقاتله بشراسة في أوكرانيا بصورة غير مباشرة، وقد أعلن مسؤول العلاقات الخارجية في مجلس الأمن القومي الأميركي أن واشنطن معنية بشكل كبير بتأمين السلاح النووي في روسيا وضمان عدم وصول السلاح لجهات غير مسؤولة، وقد أكدت صحيفة وول ستريت جورنال المخاوف الأميركية بشأن السيطرة على الأسلحة النووية.
وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن أكد أنه أمرٌ مقلق أن تشهد دولة كبيرة مثل روسيا أوضاعاً غير مستقرة، فيما واشنطن بوست ونيو يورك تايمز أكدتا أن مسؤولين في الاستخبارات الأميركية قدّموا إحاطات بشأن احتمال وقوع اضطرابات في روسيا.
و الغريب كيف أن واشنطن باتت قلقة على مصير الرئيس بوتين، وهو الذي وصفه الرئيس جو بايدن بمجرم الحرب الذي يقاتله في أوكرانيا مع الحلفاء الغربيين الذين لم يتركوا نوعاً من العقوبات إلا وأنزلوها بشاغل الكرملين وحكمه وفريقه ونظامه.
فجأة أصبح الرئيس بوتين بالنسبة للأميركيين والغرب عنواناً للاستقرار النووي وعنواناً للتعقّل، ما أقلق واشنطن عليه وعلى مصيره.
أربع سنوات قضتها إدارة الديمقراطيين وهي تتّهم الرئيس السابق دونالد ترامب بصلات الصداقة مع الرئيس بوتين وتشنّ أعنف الحملات على تلك العلاقة، وفجأة تخطّى الرئيس الديمقراطي جو بايدن مفهوم الصداقة الى مفهوم الحرص الكبير على سلامة الرئيس بوتين من أي خطر أو ضرر .
من ناحية أخرى، أثبتت الأحداث الأخيرة في روسيا أن الانتصار الوحيد المُتاح للرئيس بوتين ربما يكون الانتصار على فاغنر بدل أوكرانيا حيث لم يحقّق منذ نيف وعام والى الآن أي انتصار، وحتى الانتصار على فاغنر جاء بشكل تسوية من خلال وساطة الرئيس البيلاروسي لوكاشينكو بناءً على طلب الرئيس بوتين الذي لم يقوَ على التواصل المباشر بطبّاخه وخادمه الشخصي السابق بريغوجين، مفضلاً وساطة الرئيس البيلاروسي مع بريغوجين بدل التواصل المباشر معه.
إن المؤامرة الوحيدة التي تجلّت خيوطها الى الآن هي مؤامرة فاغنر على الرئيس الروسي وليس أي مؤامرة أخرى من تلك التي يدّعيها الرئيس الروسي تبريراً لغزوه أوكرانيا.
باختصار مع الذي حصل في روسيا، فإن كل نظريات الرئيس الروسي القوي الحامي للأمة الروسية ورئيس أكبر اقتصاد عالمي، والذي يحقق أهداف عمليته الخاصة كما هي مرسومة منه و من الجيش الروسي العظيم كلها نظريات سقطت بعد الذي حصل، وقد اضطُر الرئيس بوتين، بعدما كان يعتبر فاغنر شركة خاصة مستقلة، أن يعترف بأن تمويلها كان يتم من أموال حكومية.
الأكيد أن روسيا وحاكمها خرجا من تجربة انقلاب فاغنر بندوبٍ جارحة في الجسم تنعي الى حد كبير وحدة وطنية قومية شعبية أرادها بوتين لكن فضحها بريغوجين للغير لهشاشتها وخيالها، وقد امتنع الجندي الروسي عن رفع بندقيته بوجه فاغنر أثناء زحفه نحو موسكو، وبحسب المخابرات الأميركية فإن الجنرال سرغي سوروفيكين القائد الروسي السابق لأوكرانيا ساعدَ بريغوجين في التخطيط لانقلابه، وآخر المعلومات تفيد أن الجنرال المذكور معتقلٌ إثر تمرّد فاغنر،
فهل تخبىء الأيام والأسابيع المقبلة مزيداً من المفاجآت في ملف فاغنر ؟

الأكيد أن ٢٥ الف مقاتل لفاغنر لم يكونوا ليتمكنوا من احتلال موسكو وإسقاط الرئيس بوتين والانتصار على ثاني أقوى جيش في العالم وأول قوة نووية لو وصلوها لوحدهم، فمما لا شك فيه وجود أسباب ودوافع أخرى سيأتي يوم كشفها.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: