مما لا شك فيه أن الوضع المتدهور حالياً في فرنسا يجد جذوره في أكثر من ملف واتجاه، لا سيما في المسألة المزمنة التي تعاني منها البلاد منذ عقود عجاف الا وهي مسألة "الضواحي" المحرومة من الخدمات والتعليم والمرافق العامة، والتي تتجمّع فيها كافة أنواع الآفات الاجتماعية والأخلاقية والإنسانية.
صحيح أن الغضب المتفجّر راهناً سببه المعلَن قتل شرطي لشاب من أصول جزائرية منذ أيام رفضَ الامتثال لتعليمات الشرطة بايقاف سيارته للتفتيش، لكن الصحيح أيضاً أن مجريات أعمال الشغب في اتساعها الجغرافي الذي شمل قسماً كبيراً من أبرز مدن فرنسا، بين باريس وناننتير وتولوز ومارسيليا ونيس وسواها من مدن ومناطق فرنسية أساسية، وفي درجة تنظيم الفرق المشاغبة وتسلّحها بمفرقعات بكميات هائلة وبنادق قاذفة على شكل ألعابٍ نارية، وصولاً الى الكوكتيل مولوتوف، مروراً بسرقة السيارات واستخدامها في أحداث تخريب وتدمير في المحلات والأماكن العامة والممتلكات الخاصة، وفي الاعتداء على قوات الأمن والشرطة بصورة وحشية ومتعمّدة، وصولاً الى الاعتداء على شخصيات منتخَبة وتهديد حياتهم وحياة عائلاتهم، كلها مؤشرات تكذّب نظرية الغضب الشعبي الناجم عن قتل الشاب، خصوصاً بعد مرور خمسة أيام واستمرار الشغب على وتيرته المرتفعة وبشكل متنقّل ومنظّم، وأعمال السرقات والسلب والتهديد والاعتداءات العنيفة على الممتلكات والأشخاص، ما يطرح أسئلة أكثر جدّية من مجرد تبسيط الوصف بكون ما يحصل غضب شعبي تقوده غالبية قاصرين في السن والاكتفاء بمناشدة الأهل لضبط أولادهم …
ما يحصل اذاً أعمق وأكبر إذ ان الأسئلة الجدية المطروحة عديدة منها : مَن يقف وراء تلك المجموعات المشاغبة الشابة؟ القاصر لوحده لا يعرف كيفية التخطيط ولا يعرف كيفية التنظيم ولا يملك مالاً لشراء المفرقعات والأسلحة النارية، كما أنه لا يعرف الاستحصال على سيارات لاستخدامها في أعمال الشغب.
الأهل الذين عوّلت ولا تزال عليهم السلطات الفرنسية لضبط الأولاد ليسوا كلهم متحدّرين من أسلوب وطريقة التربية نفسها، كما أن لا شيء يُثبتُ الى الآن أن لا يكونوا جميعهم أو قسماً منهم على الأقل ضالع ومتورط مع أولاده في التحريض أو التوجيه أو المشاركة المباشرة أو غير المباشرة في أعمال الشغب والعنف والتخريب.
من هنا، نرى أن ما يحصل على الأرض في فرنسا يتجاوز مجرد التعبير عن "غضب شعبي ما"، بحيث أنه، ومع تنامي الحركة الاحتجاجية في خلال الأيام القليلة الماضية، تكشّفت وقائع وأسئلة جديرة بالتصدّي لها بإجابات مثل السؤال عن مَن يدير هؤلاء الشبان في حراكهم ومَن ينظّم تحركاتهم ؟
طبعاً ثمة إجابات جاهزة، وقد يكون قسم منها محق مثل الإشارة الى مصلحة أقصى اليسار أو أقصى اليمين المتطرّفَين في إشعال نار الفتنة بوجه إدارة الرئيس إيمانويل ماكرون لتعزيز حظوظهم في الوصول الى السلطة، مع تنامي مشاعر الناس نحو المزيد من التطرّف حيال ما يجري، إلا أن هذا النوع من التحليل يبقى تحليلاً داخلياً تقرّره موازين القوى والتحالفات السياسية على امتداد المساحة الوطنية.
وثمة إجابات أخرى لا تقل أهمية واهتماماً وخطورةً يمكن لحظها كمثل الإشارة الى ضلوع وتورّط جهات خارجية في ما يجري حالياً من قبل منظمات أو دول، وهذا الاحتمال لا نسقطه من حسابنا ولا ندّعي الجزم به، إلا أنه لا بد من استعراضها من ضمن تقاطع في المعلومات والمعطيات خصوصاً بعدما اكتسب الدور الفرنسي في المنطقة أهمية كبيرة على أكثر من ملف بدءاً من الملف اللبناني.
إحتمالات خارجية عدة يمكن أن تكون في صلب وعمق ما يحصل في فرنسا من شغب معمّم انطلاقاً من أسباب عدة نعرضُ أبرزها :
- أولاً : الدور الفرنسي في الشرق الأوسط، فإدارة الرئيس ماكرون بدّلت مؤخراً في بعض سياساتها حيال بعض الملفات الشائكة ومنها الملف اللبناني حيث يبدو أن الموقف الفرنسي الرسمي ذاهب باتجاه التشدّد حيال إيران في اصطفاف جديد يحدثه الاليزيه هو أقرب الى الخط الأميركي- الأوروبي- الخليجي ما يجعل الطريق معبدّة أمام فرنسا لإدراج الحرس الثوري الإيراني على لائحة الإرهاب، والالتحاق بالموقف المتشدّد من البرنامج النووي الإيراني.
- ثانياً : فرنسا تتصدّر المبادرات حيال لبنان، واللجنة الخُماسية تنعقد في عاصمتها والمواقف تُتخذ بالتنسيق معها، فعندما كانت سياسة إدارة الرئيس ماكرون منحازة للإيرانيين في لبنان كانت طهران تعوّل على تمكين ميليشياتها حزب الله من اإيصال سليمان فرنجية الى الرئاسة الأولى، وقد لعبت إدارة الرئيس ماكرون بفريق عمله السابق مع المفاوض باتريك دوريل دوراً ضاغطاً على اللبنانيين لتمكينهم من اإيصال فرنجية، لكن ومنذ لحظة استدارة إدارة ماكرون وتوجهها نحو المحور السعودي- الأميركي- الغربي حيال إيران كما سبق وأشرنا أعلاه، بدأت طهران تشكك بالموقف الفرنسي لشعورها بفقدان الداعم الدولي الأساسي في المنطقة انطلاقاً من لبنان،
وبالتالي فإن طهران لا تريد خسارة الخط الفرنسي المتفاهم معها سابقاً، ما يفتح احتمالية كبيرة بأن تكون إيران بصدد الضغط على فرنسا لإرجاعها الى خط التماهي معها، واليوم دعت وزارة الخارجية الإيرانية في بيان رسمي لها فرنسا لوقف التعامل العنيف مع المحتجّين في أول موقف تزامن بغرابة شديدة مع بدء السلطات الفرنسية اعتباراً من اليوم الرابع على التشدّد في تطبيق القوانين والأنظمة بحق المشاغبين وتوقيف أعداد كبيرة منهم، فيما كانت طهران ساكتة ولا تنبس ببنت شَفَة في الأيام الثلاثة الأولى التي شهدت أعمال عنف غير مسبوق من قبل المشاغبين. - ثالثاً : منذ وصول آية الله الخميني الى السلطة عام ١٩٧٩ وباريس تعاني من عقدة الدور الأساسي في تولية الثورة الإسلامية الحكم في إيران والإطاحة بنظام الشاه، وقد استمرت فرنسا راعيةً لنظام الملالي انطلاقاً من دورها الاأساسي منذ تلك الفترة والى الآن، لكن ومع تغيّر مواقف الولايات المتحدة والأوروبيين والشركاء الأطلسيين وإسرائيل حيال إيران بدأت باريس بدورها استدارةً سياسية واستراتيجية مهمة باتجاه حلفائها، وبات على فرنسا بدايةً وقبل أي شيء أن تضع الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب، أي انتهاء الرعاية الفرنسية لنظام الخميني والملالي.
من هنا، فإن مصلحة طهران هي في زعزعة استقرار فرنسا مفضّلةً أن تراها تُدرج حرسها الثوري ومعها مصالحها واستثماراتها وتجارتها مع الإيرانيين على لوائح الإرهاب. - رابعاً : في الملف اللبناني نفس قلق طهران من انقلاب سياسة فرنسا ضدها إقليمياً ينسحب على لبنان قلقاً من توقف التعاون والتنسيق الإيراني مع فرنسا، خصوصاً إن عاد جان إيف لودريان، المبعوث الشخصي للرئيس ماكرون الى لبنان بتفويض ورعاية إقليمية ودولية، وبالتالي ليس فقط بتكليف من رئيسه ماكرون، ولهذا فإن إيران قد تكون بصدد وضع معادلة جديدة مع الفرنسيين : أمن واستقرار باريس في مقابل سليمان فرنجية في بعبدا، وعدم انجرار ماكرون وراء حلفائه الأطلسيين في تشدّدهم المقبل على طهران.
- خامساً : إيران لا تريد خسارة ورقة فرنسا أقله الى حين اتفاقها مع واشنطن من عدمه لأن فرنسا تشكل بديلاً لطهران عن واشنطن، تماماً كما أن الرياض نظرت الى باريس في لحظة لم يُحسن الرئيس ماكرون التقاطها منذ بداياتها على أنها قد تكون بديلاً عن واشنطن في الملفات الجيو سياسية.
- سادساً : إيران تضغط على فرنسا أيضاً من أجل ضمان مصير مصالحها عندما يحين وقت التفاوض على حل الأزمة الأوكرانية مع الروس حلفاء طهران، والمتوقّع أن تبدأ مع نهاية العام الجاري بحسب معطيات الاستخبارات الأميركية بحيث أن إيران تسعى الى ضمان موقف فرنسي لصالحها على طاولة الأوروبيين والأميركيين عبر فرنسا، وبالتالي في حال اصطفاف فرنسا مع حلفائها الطبيعيين سوف يؤدي ذلك الى خسارة طهران الصوت الأوروبي بأكمله من خلال خسارة الورقة الفرنسية التفاوضية.
مَن يمكنه استبعاد فرضية أن يكون حادث الشاب الجزائري نائل مدبراً لإشعال الوضع الداخلي الفرنسي عشية اصطفاف باريس الى جانب الأوروبيين؟
مَن يمكنه استبعاد فرضية أن تكون إيران وراء الضغوط الميدانية الداخلية على فرنسا لابتزاز باريس بعقدتها الإيرانية؟
يُضاف الى ذلك أن فرنسا من الداعمين الأساسيين لعودة استقرار العراق ودعم قيام الدولة العراقية القوية والقادرة، الأمر الذي لا يناسب طهران .
قتل الشاب نائل هدية لطهران وموسكو في آن، كما أن إحراق المصحف في السويد أدى خدمة جلية لهما خصوصاً عندما تنظر روسيا الى الانتقام الذي وعد به الرئيس بوتين بعد انقلاب فاغنر الفاشل عليه،
لذلك نعتقد بأن حرق فرنسا المُراد به حرق أوراقها في المنطقة ومعها إحراق فرص انتخاب رئيس جديد للبنان وفرصة دعم العراق وتحريك آليات هذا الدعم فرنسياً فضلاً عن حرق الدور الفرنسي في المنطقة جزاءً لأي استدارة فرنسية عن الخط الإيراني، خصوصاً أن الملف النووي خرج من الخمسة +١ وبات كلياً بيد واشنطن التي، إما تفاوض الإيرانيين مباشرةً وإما لا تفاوضهم، وفي الحالتين لم يعد لإيران حاجة لفرنسا من ضمن الخمسة +١ .
فهل يكون صدفة مثلاً أن يقوم عراقي بحرق المصحف أم عمل مدبّر يرافق مرحلة إحراق الأوراق التفاوضية في المنطقة؟
شارلي ابدو المجلة الفرنسية الساخرة نشرت مؤخراً صوراً كاريكاتورية للمرشد علي خامنئي، فهل تنتقم إيران من فرنسا على هذه الصور؟ الإضطرابات الحالية في فرنسا تتجه الى الهدوء بين ساعة وساعة ويوم ويوم، لكن لا نعتقد أن المؤامرات الخارجية وبخاصة الإيرانية على فرنسا ستهدأ خصوصاً اذا ما مضت باريس في استدارتها الجيو استراتيجية في منطقة الشرق الأوسط ولبنان باتجاه خط حلفائها الغربيين والخليجيين.