عن السقوط التلقائي في لعبة وقتٍ لن ترحم..هل خسرت روسيا سوريا؟!

660149Image1

يوماً بعد يوم، يُسحَب البساط السوري من تحت أقدام موسكو والرئيس فلاديمير بوتين، ما يجعلنا نتوقع بأن يتمسّك الرئيس الروسي أكثر بأوكرانيا كبديلٍ جيو سياسي لخسارة ورقة سوريا.
وللمفارقة في حين سمحت إدارة الرئيس الديمقراطي باراك أوباما لروسيا باستلام الورقة السورية عام ٢٠١٥، إذ بإدارة الديمقراطي جو بايدن، نائب الرئيس اوباما آنذاك، يسحب الورقة السورية من يد الرئيس بوتين عام ٢٠٢٣.
في المعلومات نشير الى الآتي :

  • أولاً : من ضمن برنامج زيارة وزير الخارجية الأميركية أنطوني بلينكن الى المملكة العربية السعودية مؤخراً ومكوثه فيها ثلاثة أيام (مدة تؤكد برمزيتها أهمية هذه الزيارة ومحوريتها) البحث في الملف السوري كما سبق وذكرنا في مقالة سابقة، مع كلمة سر أميركية "لا للتطبيع" مع نظام بشار الأسد.
    هذه " لا " الأميركية لاقتها "لاءات" خليجية انطلقت من معادلة ضرورة تنفيذ القرار الأممي الرقم ٢٢٥٤، وبالانتظار إبقاء الوضع السوري على ما هو عليه، وذلك رداً على تذاكي نظام الأسد ورموزه في الرد على الشروط الخليجية وتحديداً السعودية لضمان الوصول الى حل سياسي وتطبيق مندرجات القرار العربي ٨٩١٤ المنبثق من القرار الأممي ٢٢٥٤.
  • ثانياً : بات من شبه المؤكد في ظل تقاطع المعطيات الديبلوماسية الغربية والعربية أن تقسيم سوريا أمر مستبعد جداً لمواجهته رفضاً سورياً وعربياً ودولياً، ما يعني بقاء سوريا موقتاً كما هي مقطّعة الأوصال الى حين التوصّل الى الحل السياسي السوري - السوري الداخلي،
    فالمصالحة السورية- السورية يصاحبها ذهاب النظام السوري لتسليم السلطة، في ظل انتقال سياسي لسلطة سورية جديدة تتشكّل من جميع أطياف المجتمع السياسي السوري لإنقاذ مَن وما تبقّى من سوريا وفقاً لمندرجات القرار ٢٢٥٤ والتي كانت حتى روسيا قد وافقت عليه.
  • ثالثاً : هذا القرار الإممي ليس مشمولاً بالبند السابع من ميثاق الأمم المتحدة إنما البند السادس الذي لا يجيز استخدام القوة ضد النظام، لكن واشنطن استبدلت البند السابع بإحكام طوق جيو سياسي وجيو استراتيجي على منطقة نفوذ نظام الأسد بحيث سيطرت على كامل منطقة شرق الفرات ووصله بالتنف شرقاً والحسكة ودير الزور، وربط كل المنطقة الشمالية الشرقية بالوسط الشرقي وصولاً الى الجنوب عبر الوصل بين السويداء ودرعا.
    هكذا أحكمت واشنطن وحلفاؤها السيطرة الكاملة على المنطقة الاقتصادية والمالية المفيدة لسوريا، محاصرةً نظام الأسد وميليشيات إيران في دمشق وضواحيها وبعضٍ من حلب وحماه شمالاً حيث لا إنماء ولا إعمار ولا تمويل مشاريع.
  • رابعاً : القرار الأميركي هذا على أرض سوريا صَاحَبه قرار أميركي آخر قضى بعدم الانسحاب من شرق الفرات بعد اليوم والى حين رحيل نظام الأسد، وبناء شبكة تحالفات محلية مع الأكراد والعرب والأشوريين والسريان من أجل حماية المنطقة والإعداد لخطة إضعاف ومحاصرة نظام دمشق حتى الاختناق تحت شعار "محاربة الإرهاب"، فيما
    نظام الأسد لا يزال يهرب من استحقاق حتمي لا مفر منه ألا وهو تنفيذ القرار ٢٢٥٤.
    هذا القرار هو المخرج الوحيد للنظام ولسوريا بموافقة روسيا والصين : انتخابات رئاسية وبرلمانية بإشراف أممي وضمان عودة اللاجئين وإصدار عفو عنهم ومحاسبة مجرمي الحرب والإفراج عن المعتقلين السياسيين وتبيان مصير المفقودين،
    مع الإشارة الى أن بندي الإفراج عن المعتقلين وتبيان مصير المفقودين لوحدهما كفيلان بإسقاط نظام الأسد خصوصاً في اللحظة التي ستتولّى لجان دولية هذين الملفَين وما ستجمعه من حقائق ومعطيات رهيبة وبشعة.
  • خامساً : اذا لم يقرر نظام الأسد تنفيذ القرار ٢٢٥٤ فإن مصيره سيكون الحصار العازل والخانق في منطقة نفوذه الصغيرة بين حلب ودمشق واللاذقية حتى الاهتراء،
    ومهما طال الزمن ستعود تلك المنطقة الى كامل السوريين تماماً كما المعارضة السورية "المتأخونة " لن يكون لهم نصيب في حكم سوريا المستقبلية.
    وتبقى المملكة العربية السعودية بوابة الحل للسوريين وأزمتهم، وهي البوابة التي تفتح على العالم لمستقبل سوريا.
    وفي المعلومات أن ثمة لجنة سعودية- خليجية- أميركية ستتشكل لمراقبة أداء نظام الأسد وتطبيقه القرارات والاتفاقيات التي تمّت في جامعة الدول العربية تحت القرار ٨٩١٤ المنبثق عن القرار الأممي ٢٢٥٤،
    فنظام الأسد، ومنذ قمة جدّة، يعتمد نهج الهروب والتهرّب وتغيير الأولويات كعودة الحديث عن مكافحة الإرهاب كلما تم تذكيره بالتزاماته العربية، لذلك فإن سياسة "عض الأصابع" ستسود الملف السوري في الفترة الحالية والمقبلة والى أمدٍ متوسطٍ ويتم خلالها استكمال المخطط الأميركي باستعادة التنف وإقفال الممر الحيوي شرقاً أمام ميليشيات إيران والحرس الثوري واستكمال ضمّ السويداء ودرعا الى المنطقة الشرقية والشمالية- الشرقية للفرات إحكاماً لمحاصرة منطقة نفوذ نظام الأسد وقطع أي تواصل مع العراق شرقاً والأردن جنوباً.
  • سادساً : في المعلومات المتقاطعة والتي رشحت من نقاشات ومحادثات بلينكن مع القيادة السعودية والخليجيين أن هناك اتفاقاً أميركياً- سعودياً وثلاثين دولة لتشكيل تحالف جديد على أنقاض التحالف الدولي السابق الذي كان يضم ٧٢ دولة، هذا التحالف الثلاثيني الجديد الذي يضم أوستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة ودول الخليج واليابان والاتحاد الأوروبي، وهدفه تأسيس سوريا الجديدة القوية شرق الفرات حيث المدارس والجامعات والمستشفيات ومعاهد التعليم والبنى التحتية ومحطات الطاقة والمطارات والطرقات بدعم وتمويل دول التحالف، فضلاً عن المشاريع الاقتصادية والزراعية.
    هذا المشروع سيكرّس فصل منطقة نظام الأسد وميليشيات إيران عن منطقة شرق وشمال شرق سوريا، وسيؤدي الى اهتراء منطقة نفوذ النظام حتى السقوط التلقائي في لعبة وقت لن ترحم. لم ينفع كلام مسؤولي النظام وعلى رأسهم الوزير فيصل المقداد الأخير، والذي حاول استغباء الرأي العام بإعلانه عن تنفيذ النظام للقرار ٢٢٥٤ على طريقته، مشيراً الى حدوث انتخابات رئاسية وبرلمانية وإدارة محلية وإطلاق المعتقلين، مبتكراً أسلوب كذب ومواربة جديد لم ينطلِ على أحد، مبيّناً في نفس الوقت عدم استعداد النظام للالتزام بتنفيذ جدّي وحرفي للقرار الأممي، والجدير ذكره أن الرياض استدعت، غداة انتهاء زيارة الوزير بلينكن، وزير خارجية النظام فيصل المقداد وصاحب هذه المواقف الهوائية لإبلاغه بانتهاء فترة التلهّي والتسويف وحلول أوان المرحلة الجديدة من الجانب السوري، خصوصاً بعدما اتفق الجانبان السعودي والأميركي على وقف تمدّد إيران في المنطقة، وعدم تخلّي واشنطن عن الرياض ودول الخليج، وإصلاح الأخطاء الأميركية السابقة بحق الرياض في تكريس أميركي جديد لقيادة المملكة للمنطقة بالاتفاق والتنسيق والتعاون مع واشنطن.

في هذه الاثناء، نُفّذت مناورات عسكرية ضخمة في منطقة التنف على الحدود الشرقية لسوريا بأسلحة نوعية في ظل مخطط ربط التنف والحسكة مع منطقة شرق الفرات سياسياً وامنياً، فيما مجلس الأمن القومي الأميركي أقر بالأمس البقاء في سوريا بشكل دائم، ما يُسقط من يد موسكو التفرّد السوري الذي كُرّس لها منذ العام ٢٠١٤، وقد انتهى مع اندلاع حرب أوكرانيا وتداعياتها على الحسابات الإقليمية والدولية التي حكمت المعادلات السابقة.

فهل خسرت موسكو سوريا؟
على ما يبدو بات الأمر محتّماً.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: