منذ أيام معدودة، تٌشاهد حركة نقل مدفعية ثقيلة إيرانية باتجاه الحدود مع العراق ،وقد أكد موقع إيران انترناشيونال حصول هذا الاحتشاد الضخم والخطير حيث أفاد الموقع عن قيام الحرس الثوري الإيراني بحشد مدفعيته باتجاه الحدود مع العراق وتحديداً حدود إقليم كردستان.
الحرس الثوري الإيراني نشرَ تغريدة مثيرة وخطيرة على أحد حساباته الخاصة بالتزامن مع الاحتشاد العسكري جاء فيها " قلنا سوف نأتي بعدكم هذه مجرد… بداية القصة ".
في الوصف العسكري لفعالية المدفعية التي يحشدها الحرس الثوري هي من نوعية أم ١٩٥٥ ومداها لأكثر من ١٧ كيلومتراً فضلاً عن مدفعية تصل الى ١١ كلم.
إيران تسعى تماماً كما في المقلب التركي شمال سوريا الى خلق منطقة عازلة تقي الإيرانيين خطر القوات الكردية- الإيرانية المعارضة لطهران على أرض إقليم كردستان العراق، ما يدفع بالحرس الثوري الى التدخّل القوي لردع أية عمليات تسلّل من أراضي كردستان العراق الى الداخل الإيراني كما هي الحال بين روسيا وأوكرانيا وإقليم الدونباس.
إيران تتهم حكومة العراق وإقليم كردستان بعدم القيام بأية إجراءات لحماية الحدود الإيرانية مع إقليم كردستان، وبأنه لم يتم نزع سلاح الفصائل المعارضة ولا غلق مطارهم، وهم لا يزالون يهدّدون أمن إيران الداخلي.
العراق سبق أن وقّع على مذكرة أمنية في ١٩ آذار الماضي لضبط الوضع على الحدود مع كردستان لكن هذه المذكرة لم تُنفذ مع أنها حدّدت مهلة ستة أشهر للتنفيذ، وبالتالي بقي ثلاثة أشهر قبل ان يحق للإيرانيين التدخّل مباشرةً عسكرياً.
والجدير ذكره أن تلك المذكرة الأمنية كان قد وقّعها من الجانب الإيراني علي شمخاني نفسه المفاوض والموقِّع على إعلان بكين حول استئناف العلاقات الديبلوماسية بين الرياض وطهران والذي تمت إقالته من منصبه منذ فترة.
هذه المعلومة تؤكد التوجّه لدى قيادة الحرس الثوري الإيراني والتي سبق لنا أشرنا اليه في مقالات سابقة بالانقلاب على تواقيع القيادة الإيرانية واستعادة السيطرة على القرارات الإقليمية من اليمن مروراً بلبنان وسوريا وصولاً الى إقليم كردستان والحدود مع العراق.
في الفترة الأخيرة، ارتفعت حدة التصاريح الإيرانية الرسمية المهدّدة حول الوضع على الحدود مع العراق وتحديداً مع إقليم كردستان، ومنها تصريح قائد القوات البرية للحرس الثوري الإيراني علي باكبور ووزير الأمن الإيراني إسماعيل خطيب.
العراق قام ولا يزال باتصالات مع إقليم كردستان ومسؤوليه ويتواصل مع الإيرانيين عبر مستشاره للأمن القومي قاسم الأعرجي لتجنّب التهديدات الإيرانية،
وقد زار الأعرجي إربيل مؤخراُ حيث قام بالعديد من النقاشات مع وزير الداخلية في إقليم كردستان ريفير أحمد، ثم عقدَ اجتماعات في السليمانية حول المذكرة الأمنية، كما التقى الملحق العسكري الموجود في بغداد، وبعد ذلك التقى علي أكبر أحمديان الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في طهران، ليغرّد اأحمديان على إثر هذا اللقاء متوقّعاً من الحكومة العراقية ضمان أمن حدود البلاد مع إيران في أسرع وقت ممكن وإنهاء وجود العناصر المناهضة للثورة، ما وضع بالتالي إيران على جمر الانتظار، وهي ليست صبورة ولا تستطيع تحمّل ازدياد التهديد المتأتي من الحدود مع إقليم كردستان، كمان أنها حتى لا تقوى على تحمّل مدة الأشهر الستة المحدّدة في المذكرة الأمنية لسبب واضح هو أن إيران تواجه تحديات وأخطاراً عدة ليس أقلها تهديد "الباشتون" من أفغانستان، وقد شهدت الحدود بين إيران وأفغانستان طالبان منذ أيام توترات أمنية كادت تتطور الى صراع عسكري بين الجانبين، وقد حصلت وساطات ومفاوضات أفضت ليس الى حلّ سبب الإشكال ( نهر هلمند المشترك بين البلدين وتقاسم حصص البلدين ) بل الى تأجيل المواجهة في ظل حاجة إيران الى مياه هذا النهر وحاجة أفغانستان الكبيرة للمياه من هذا النهر التاريخي، فضلاً عن التهديد الكردي على الحدود مع العراق وتداعياته على الداخل الإيراني والتهديد السنّي من باكستان والتهديد الغربي ولا سيما الأميركي- الإسرائيلي حول البرنامج النووي الإيراني.
إيران محاصرة بأزماتها الداخلية كما هي محاصرة بأزماتها الإقليمية والدولية خصوصاً بعدما كشفت عن التحالف العسكري مع الرئيس فلاديمير بوتين وتورّط طهران في الحرب ضد أوكرانيا عبر بيع المسيّرات وتصنيعها وتصديرها وكذلك الصواريخ البالستية وسواها.
اللافت أن التوتر الإيراني تجاه إقليم كردستان العراق لم يمنع طهران من استقبال وفدٍ من الإقليم منذ أيام للبحث في المصالح الاقتصادية المشتركة وتعزيز التحركات التجارية واجتماع الوفد مع نائب وزير خارجية الجمهورية الإسلامية لشؤون الأعمال وحاكم أذربيجان الغربية وكرمانشاه وسنندج، ولهذا الامر دلالات تتظهّر في أمرين أساسيين : محاولة إقليم كردستان فتح العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إيران وتطويرها لجعل الاعتبار الاقتصادي يصل الى مرحلة يطغى على الاعتبار الأممي العسكري ويذوق بشكل ما القلق الإيراني وإثارة اهتمام طهران حول أهمية المصالح الاقتصادية والتجارية في لحظة تكون فيها إيران وبإسم الحاجة الى الاستثمارات والفرص التجارية لانعاش الاقتصاد الإيراني المتدهور.
طهران الى الآن لم تقدّم أية أدلة على تهديد أمنها من كردستان، وما هو مثير أن التحرّك الإيراني العسكري حالياً على الحدود يأتي بعد تحرّك آخر لطهران بتخفيض إمدادات الغاز الى العراق بنحو ٢٠ مليون متر مكعّب، ما بدأ يؤثر على تغذية العراق بالكهرباء لأن بغداد تعتمد بنسبة كبيرة على الغاز الإيراني.
إيران تمارس ضغطاً على العراق لإيجاد حل لمسألة التحويلات المالية مع الجانب الأميركي لأن طهران باتت بحاجة للأموال من العراق، وما تطلبه إيران من بيعها الغاز الطبيعي للعراق بما يقارب ١١ مليار دولار، علماً أن تصدير الغاز الطبيعي للعراق من المخارج التي اتبعتها القيادة الإيرانية للتفلّت أو الاحتيال على العقوبات الأميركية.
ويُذكر أن البنك الفدرالي الأميركي كان منذ فترة قد مارس ضغطاً على العراق من خلال التدقيق الذي قام به على القطاع المصرفي العراقي وتبيّن له أن هنالك أموالاً تُهرّب الى إيران من بنوك عراقية بصورة غير قانونية، فتوقف على إثره تدفق الدولار الى إيران بعد قرار العراق الاستجابة للضغط الأميركي.
العراق، وبدعم من الولايات المتحدة والمانيا، يأمل بحل مسألة الغاز الطبيعي عندها سيمكنه الاستغناء على الغاز الإيراني ويستقر بالتالي قطاع الكهرباء لديه.
من هنا يمكن فهم التوتر الإيراني المتصاعد ضد العراق والتحشيدات العسكرية على الحدود مع إقليم كردستان بغية خلق حالة عدم استقرار إقليمي يعرقل ويؤخر المسعى الأميركي- الألماني لبناء معامل إنتاج الغاز في العراق، ويضغط على بغداد لتسديد فواتير الغاز، فطهران بحاجة للمال وهي تختنق وبالتالي بإمكانها القيام بأي مغامرة من أجل إبعاظ التهديدات عنها.
يبقى السؤال الذي يطرح نفسه : اذا كان إقليم كردستان أرضاً عراقية فهذا يعني أن الحرس الثوري سيعتدي على أرضٍ عربية في عمق منطقة الخليج، والعراق معروف بأهميته الجيو سياسية والجيو استراتيجية بالنسبة لدول الخليج، وبخاصة المملكة العربية السعودية التي أكـدت مراراً وتكراراً على أهمية دور إقليم كُـردستان العــراق في استقرار المنطقة، إلى جانب تأكيد المملكة رغبتها بتنمية الاستثمارات في الإقليم بحيث كانت الرياض قد وضعت خططاً استثمارية ضخمة في الإقليم كما سبق وقال وزير التخطيط في حكومة إقليم كردستان علي السندي بإشادته بالعلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الوطيدة مع السعودية والسعي الدائم لتعزيزها، وبالتالي وفي حال اعتداء إيران على الإقليم ماذا يمكن أن تكون ردة فعل الرياض لاسيما وأن الاعتبارَين الجيو سياسي والاقتصادي هنا في أساس اتفاق بكين، ناهيك عن موقع العراق المميز للخليج.
لننتظر الأيام والأسابيع القليلة المقبلة التي ستأتينا بالكثير من الإجابات.