ما لم نعتبر أن الرياض أرادت من اتفاق بكين مع طهران إنقاذ المملكة من التهديد اليمني والتهديد الإيراني في بحر العرب ومضائق وموانىء هرمز والحُديدة وباب المندب، وضمان مصالح دول الخليج دون سواها، يمكن عندها القول إن المناورات العسكرية لحزب الله في جنوب لبنان لا تؤثر، لا من قريب ولا من بعيد، على اتفاق بكين ومفاعيله.
لكن الواقع غير ذلك تماماً، فمَن يعود لنصوص اتفاق بكين يجد أن هذا الاتفاق الذي أُبرم بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية في إيران، فضلاً عن كونه إعلان عودة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين لحل الخلافات بينهما من خلال الحوار والديبلوماسية كما جاء في حرفية البيان الإعلامي، يكاد في جزء آخر منه أشبه بالتعاقد لصالح ثالث كما في العلم القانوني المدني للعقود.
إعلان بكين في شقه الإقليمي نصّ على اتفاق الجانبين على تعزيز تعاونهما في كل ما من شأنه تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وبما يخدم مصالح دولها وشعوبها، كما ألزم إيران بوقف تدخّلاتها في شؤون الدول العربية واحترام سيادة الدول وعدم التدخّل في شؤونها الداخلية.
المناورات العسكرية لحزب الله، وانطلاقاً من نصّ إعلان بكين جاءت لتطرح ثلاث إشكاليات:
الإشكالية الأولى تتعلق بمدى شمولية هذا الإعلان إذ يبدو أن رسالة المناورات العسكرية لحزب الله بيّنت أن محاربة إسرائيل وتحرير القدس ليسا من ضمن الاتفاق، علماً أن محاربة إيران لإسرائيل لا تنطلق من الأراضي الإيرانية بل من أراضي الدول العربية المفترض أن يشملها بيان بكين الذي يتكلم عن عدم تدخّل إيران في شؤون دول المنطقة.
الإشكالية الثانية تتعلق بمدى اعتبار ميليشيات كحزب الله في لبنان والحوثي في اليمن والحشد الشعبي في العراق وحماس والجهاد الإسلامي في غزة بأنها ميليشيات ذات أجندات محلية أم اعتبارها وكلاء لإيران وخضوعها لأوامر نظام الملالي الإقليمي وتوجيهاته وأجندته؟
طبعاً نعرف الردّ الإيراني الكلاسيكي عندما يُسأل الإيرانيون عن تلك الميليشيات، فيأتي الجواب بأن تلك الميليشيات والمنظمات المسلّحة محلية وطنية في بلدان ومجتمعات تواجدها، وبالتالي ليست إيرانية أو تابعة لإيران، وهي لا تأتمر بطهران، فيما الحقيقة والواقع يظهران عكس ذلك تماماً، ومن هنا اعتبارهم على الدوام وكلاء إيران في المنطقة لزعزعة أمن واستقرار المجتمعات العربية وإضعاف أنظمتها وضرب "هيكلياتها الدولتية" كما هو حاصل في لبنان واليمن وسوريا.
أما الإشكالية الثالثة فتتجلّى من خلال التناقض الفاضح بين أهداف إيران بإبقاء المنطقة، تحت شعار تحرير فلسطين ومقاومة إسرائيل، منطقة صراع عسكري ودموي مفتوح تتوحّد فيها الساحات بحجة تحرير القدس وشطب إسرائيل من الوجود، وبين رؤية قيادة المملكة العربية السعودية وولي عهدها الأمير محمد بن سلمان ومن ورائه دول الخليج ودول المنطقة العربية التي تريد الانتقال بهذه المنطقة الى مرحلة نمو وتنمية وازدهار اقتصادي، وصولاً الى جعل الشرق الأوسط "أوروبا جديدة" تنعم بالسلم والإعمار والاستقرار والسلام، من هنا فالسؤال المشروع يُطرح على القيادتين السعودية والإيرانية معاً حول هذا التناقض وكيفية اجتيازه أو معالجته.
الأمر الأكيد أنه، باستمرار ميليشيات إيران في غزة وجنوب لبنان وجنوب سوريا وربما أيضاً من خلال الأردن في تصعيد المواجهة مع إسرائيل، لا يمكن أن تنعم المنطقة لا بالسلام ولا بالأمن ولا بالاستقرار والنمو والتنمية والازدهار، وبالتالي نحن أمام مشكلة اصطدام رؤيتين إقليميتين متناقضتين لا تلتقيان .
هدف الرياض من اتفاق بكين كان ولا يزال "تصفير " المشاكل وبخاصة مع إيران وتركيا لكن تصفير المشاكل على ما أظهرته مناورات حزب إيران في لبنان دونه عقبات كعداء، وقد يكون من الضروري على الأشقاء في المملكة العربية السعودية أن يتنبّهوا الى أن الفصل بين العلاقات الإيرانية والعربية التي يُراد خليجياً أن تسير نحو التطبيع والسلام تأسيساً على اتفاق بكين، وبين ملف الصراع بين إيران وإسرائيل لا يمكن أن يؤتي ثماره اذا استمرت ميليشيات إيران في المنطقة في تصعيد وتيرة التوترات والمواجهات العسكرية وجرّ المنطقة الى حروب تلو الحروب مع إسرائيل، أي بعبارات أخرى أخشى ما نخشاه أن تأخذ إيران بيدٍ ما أعطته للعرب والخليج والمملكة بيدٍ أخرى، فاذا كان اتفاق بكين في شقه الإقليمي تكلم عن التزام بعدم التدخّل في شؤون دول المنطقة الداخلية واحترام سيادتها فميليشيات إيران تتولّى الى الآن مهمة تنفيذ خطة ايرانية معكوسة بالإبقاء على احتلال الدول العربية وخرق سيادتها والتدخّل في شؤونها الداخلية بطريقة غير مباشرة عبر تحريك وكلائها وتصعيد الأوضاع ضد تل أبيب بحجة تحرير فلسطين.
فما الفرق بين التدخّل في شؤون دول المنطقة وخرق سيادتها مباشرة وبين تحريك وكلاء إيران لإشعال الحرب في المنطقة انطلاقاً من أراضي دول المنطقة من دون احترام سيادتها وإرادة شعوبها؟
من هنا، نرى أن مناورات حزب الله العسكرية محاولة إيرانية غير مباشرة للإلتفاف على التزامات طهران في إعلان بكين لا بل لمحاولة التفلّت من تلك الإلتزامات عبر السعي لخلق أجواء توتر وحرب ومواجهة مع " العدو الصهيوني " لتبرير عدم التزام طهران بمتطلبات عدم التدخّل في شؤون دول المنطقة واحترام سيادتها، بحجة أن لا صوت ولا اعتبار يعلو فوق صوت واعتبار المعركة، فتذهب بالتالي التزامات طهران الإقليمية في إعلان بكين أدراج الرياح.
رب قائل إن عودة العلاقات الديبلوماسية بين الرياض وطهران هي تحديداً لخلق آلية معالجة مثل تلك الملفات الخلافية كما جاء في إعلان بكين بالطرق السلمية والديبلوماسية ومن ضمنها ملف ميليشيات إيران في المنطقة وكيفية إنهاء تلك الظاهرة، وهذا قد يكون صحيحاً لكن السؤال يبقى في معرفة كيف ومتى يمكن تحقيق ذلك من خلال العلاقات الديبلوماسية والرياض لا تملك غير العلاقات الديبلوماسية والسياسية مع طهران، فيما طهران لا تزال الى الآن تسيطر على الأرض في دول الإقليم عبر ميليشياتها وتتقن نهج الإزدواجية بين ما تعلنه في الديبلوماسية والسياسة وما تفعله على أرض الواقع في الميدان والعسكر، وهي القادرة بصاروخ تطلقه من أي بقعة من بقاع دول أو مناطق الطوق لإسرائيل على إشعال حرب إقليمية تعيد خلط الاوراق فتسقط كل مشاريع الحلول الجاري العمل عليها .
من هذه الزاوية، تبقى إيران ومن باب مواجهة إسرائيل قادرة على استمرار اختطاف دول وشعوب المنطقة وتوريطها عبر وحدة الساحات، ما يعني استمرار التدخّل في شؤون دول المنطقة واستمرار خرق سيادتها ودائماً عبر الوكلاء، ما من شأنه تقويض استراتيجية العرب وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية.
من هنا، نعتبر ختاماً أن مناورات حزب الله العسكرية مثّلت أول طعنة لاتفاق بكين، لا بل لروحية هذا الاتفاق ولأهداف المملكة العربية السعودية منه، عدا إعادة فتح السفارات وتبادل العلاقات الديبلوماسية مجدداً، والأكيد الى الآن أن اتفاق بكين لا ينهي دور الميليشيات على اعتبار أن إيران لا تعتبر الميليشيات تابعة لها بل من ضمن النسيج الداخلي للدول المتواجدة فيها ما يسهل الانقلاب في أي وقت على التزامات بكين من الطرف الإيراني.
يبقى أن نشير الى أمر ولو من خارج سياق الموضوع وهو أن لا نتوهم كلبنانيين أن الدول العربية ستقود عنا مواجهة من أجل رئاسة لبنان.