هل أسقطت واشنطن التطبيع العربي مع نظام الأسد؟

asad usa

في أحيان كثيرة تتلاقى مصالح متناقضة المنطلقات عند نقطة تقاطع ظرفية تُنتج وضعاً سياسياً أو استراتيجياً يخدم أصحاب تلك المصالح كلاً بما يلبّي مصالحه، وهكذا ما يحصل راهناً على ما يبدو أو يكاد يقترب من الحصول، بين مصلحة أميركية بمقاطعة نظام الأسد مجدداً وتشديد الحصار عليه، وبين مصلحة طرف سوري وإقليمي لا يناسبه إنعاش هذا النظام ومدّه بمقومات التعويم ولو كانت دوافع هذا التعويم مفهومة المنطلقات لمصلحة الشعب السوري لا النظام.
مما لا شك فيه أن الإجراءات التي اتُخذت مؤخراً في الانفتاح على نظام الأسد من قبل دول الخليج وبعض الدول العربية وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية سبّبت موجةً من الغضب والتشكيك لدى قسم كبير من الرأي العام العربي، بدءاً من الشعب السوري المعارض لبقاء الأسد والرافض لأي تطبيع عربي أو غير عربي معه.
طبعاً نشطت في المقابل وسائل الاإعلام والتواصل الاجتماعي في شرح وجهة نظر المطبّعين انطلاقاً من واقعية سياسية براغماتية لم يتقبّلها الرأي العام في قسم كبير منه الى الآن.
وغداة خطوات التطبيع الأولى المتمثّلة بقرار جامعة الدول العربية بعودة سوريا لإشغال مقعدها، ومن ثم دعوة بشار الإسد لحضور القمة العربية في جدّة، مروراً بسفر الأسد الى سلطنة عُمان فدولة الإمارات وروسيا، نشطت اللوبييات السورية والعربية المناهضة للأسد في أروقة القرار الأميركي لشنّ حملة مضادة للتطبيع الجاري في خطواته الأولى، فنجحت تلك اللوبييات في تحريك المياه الراكدة في واشنطن، لا لكون الأخيرة يهمها ما يهم تلك اللوبييات في منطلقاتها بل انطلاقاً من حسابات أميركية متعدّدة الجوانب ومتشعّبة المفاعيل والتأثيرات إقليمياً ودولياً في ظل حالة التوتر والحرب الدولية التي نعيشها على أكثر من جبهة وأكثر من محور،
فكان الدفع في واشنطن وبخطى سريعة ومتسارعة نحو إقرار قانون يمنع التطبيع مع نظام الأسد ويعاقب الدول المطبِّعة معه.
نواب وشيوخ أميركيون استنفروا مجالسهم والبيت الأبيض ووضعوا مشروع القانون المانع للتطبيع مع نظام الاسد، وفي المعلومات المتقاطعة فإن بعض دول المنطقة كانت تراهن على انتهاء قانون قيصر في العام ٢٠٢٤ من دون إمكانية تجديده بفعل اللوبييات الإيرانية وبعض الدول العربية الأخرى التي بضغوطها كان يُعتقد أنها قادرة على منع تجديد أو تمديد هذا القانون، الا أن الواقع ذهب باتجاه آخر من خلال مشروع القانون الذي يُعمل على تمريره قريباً جداً، والذي ضاعف من حصار قانون قيصر ليمنع منعاً باتاً أي دولة من التطبيع مع نظام الأسد بأي شكل من الأشكال وفي أي مجال من المجالات.
السرعة في الدفع باتجاه إعداد وتبنّي قانون منع التطبيع فاجأ المتفائلين بعدم إمكانية استمرار قانون قيصر وقضى على آمال مَن كان يعوّل على رفع العقوبات والحصار عن النظام للتعامل معه، ويعتبر أن النظام عاد بقوة على الساحة العربية واستعاد دوره في المشهدية الإقليمية.
كل هذه الآمال تلاشت مجدداً، وقد أفاد بعض المصادر الأميركية عن رفض واشنطن فكّ الحصار عن الأسد وتخفيف عزلته، هو الذي كان محاصَراً وعندما كان يضطر للتنّقل والسفر كان يُنقل عبر طائرة شحن الى موسكو أو الى مكان سري، فيما حالياً بات يسافر ويتنقل بأريحية كبيرة، الأمر الذي ترفضه واشنطن كلياً لأنها تريد أن يبقى الأسد في حصار دائم.
واشنطن إعتبرت أن إقدام بعض الدول على فتح سفارات في دمشق هو تحدٍّ لأميركا وإن كان القانون لا يمنع، لكن كان يتحتّم على تلك الدول أن تسعى لتطبيق القرار الأممي رقم ٢٢٥٤ أولاً، ثم التعاون مع الحكومة الجديدة في سوريا لا مع نظام الأسد.
كذلك ما استفز واشنطن بحسب المصادر تبادل وتكثيف زيارات وزراء الدول الى سوريا وتعدّد اختصاصاتها، واعتبرتها خطوات تعوّم نظام الأسد، الأمر الذي ترفضه واشنطن وفق " مصالحها ".
الدولة العميقة في الولايات المتحدة تتلاقى مصالحها في هذه اللحظة مع مصالح محور الشعب السوري وقسم كبير من الرأي العام العربي الرافض لبقاء النظام والتطبيع معه، ما أدى الى إنتاج قانون منع التطبيع مع النظام السوري.
إدارة الرئيس جو بايدن تلكأت عن الضغط باتجاه تطبيق القرارات المتخَذة والمستوجبة التنفيذ كالقرار ٢٠١٨ والقرار ٢٢٥٤ أو قانون الكابتاغون أو قانون قيصر، وكلها لم تطبق بشكل فعلي وحازم مع وصول الديمقراطيين الى البيت الأبيض، ومن هنا تحرّك مجلسي الشيوخ والنواب الاأميركيين بإصدار قرارات تلزم إدارة بايدن بالتطبيق لإلزام كل من الجمهوريين والديمقراطيين عند وصولهم الى البيت الأبيض على التقيّد بها تلبيةً لمصالح واشنطن.
في المبدأ القانوني العام، لا تستطيع واشنطن منع التطبيع مع نظام الأسد لكن ومن خلال آليات وضع قوانين واتخاذ قرارات ووضع عقوبات تصعّب على أي دولة عملية التطبيع، والمثال الأخير الماثل على ذلك موضوع جرّ الغاز الى لبنان حيث اشترطت مصر على الولايات المتحدة إصدار تصريح خاص باستثناء الغاز المصري من العقوبات الأميركية لإدراك القاهرة خطورة الوقوع في شرك العقوبات الأميركية، لكن واشنطن رفضت إعطاء هذا الاستثناء وتوقف مشروع مدّ لبنان بالغاز المصري، ناهيك عن توقّف العديد من الشركات العربية والإيرانية التي كانت سارعت الى فتح فروع لها في سوريا عن العمل نتيجة العقوبات الأميركية.
القانون الأميركي الجديد يقطع طريق أي دعم مالي لمؤسسات النظام والدول العربية والإقليمية التي تحاول مدّ العون لنظام الأسد تحت طائلة العقوبات.
كل أشكال الدعم المالي والاقتصادي والتجاري لنظام بشار الأسد تقع تحت طائلة العقوبات في القانون الجديد سواءً بالمباشر أو من خلال التحويلات الى ثالث، أو من خلال فروقات أسعار صرف الدولار نسبةً للعملة السورية والتي تدرّ لنظام الأسد سنوياً إيرادات بقيمة ١٢٠ مليون دولار، فكل هذه العمليات وسواها تقع تحت طائلة العقوبات في القانون الجديد .
مصالح أبناء المسؤولين والضباط والنواب وأركان النظام السوري كلها تحت العقوبات،
وتعليمات صارمة ستشمل كل مطارات العالم بمنع استقبال الطيران السوري لمنع المسؤولين السوريين مثل وزير خارجية النظام فيصل المقداد ووفود ومسؤولي الأسد من التنقّل والسفر، وأي مطار يخالف حظر استقبال الطيران السوري يتعرّض للعقوبات الأميركية.
من جهة أخرى، فشل التطبيع العربي الى الآن مع النظام السوري لأن الشروط التي وضعت على النظام، فيما إيران وحزب الله في سوريا لم ينفذا منها شيئاً، والعرب على ما يبدو ورغم محاولتهم الأخيرة لإنهاض النظام بالاستقلال عن إيران وتحالفاته معها اكتشفوا أن بشار الأسد فاقد القرارات السياسية والأمنية والاقتصادية والسيطرة على الحدود، ما يجعله عاجزاً عن الاستجابة لمطالب الأسرة العربية.
كذلك طالب العرب نظام الأسد القيام بإصلاحات دستورية وداخلية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، لكن النظام تخلّف عن تلك الطلبات تحت ضغط أيران وحزب الله.
يُضاف الى ذلك تصريح أخير للسفير الإيراني في الرياض حيث نفى تناول المباحثات بين الرياض وطهران الملف السوري، بما يعني بقاء إيران في سوريا مع حزب الله، وبالتالي عودة العرب خاليي الوفاض من تطبيعهم مع الأسد.
حفيد الخميني حسن الخميني بدوره كان واضحاُ في تصريحه الأخير حول أن وجود إيران في سوريا ولبنان والعراق واليمن غير قابل للنقاش وعلى الجميع إدراك هذا الأمر.
اذاً من الواضح والجلي أن ثمة صعوبات لا بل خروقات خطيرة للاتفاق الإيراني- السعودي، ومن خلاله في عملية التطبيع مع نظام الأسد، وأخشى ما نخشاه أن لا يطول الوقت كثيراً ليكتشف الأخوة السعوديون والخليجيون أنهم، بمحاولتهم إنهاض نظام دمشق لمساعدة سوريا وشعبها، إنما راهنوا مراهنة خاسرة ولن تنجح مساعيهم الخيّرة في تقويم انحراف أسدي عميق لن يقوى على إنهائه إلا إحياء القرارات الدولية في حق النظام، والمشاركة في فرض الشرعية الدولية ومعاقبة النظام لأنه لن يصطلح مهما حاول الأشقاء، وهو الغارق حتى الثمالة في الارتهان لإيران وميليشياته وفي الفساد والإجرام في حق الشعب السوري.
من أبواب دمشق، يتهاوى التطبيع العربي رويداً رويداً عسى أن لا تنتقل العدوى الى باقي ملفات المنطقة، ويأتي قانون منع التطبيع ليضع حجرة الرحمة على ضريح هذا التطبيع المستحيل.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: