هل انتهى الانفتاح العربي على نظام الأسد ؟

238266

بعد أشهر من الأخذ والردّ واعتبار أن التطبيع مع بشار الأسد يكون من باب الأمر الواقع، تبيّن للدول الخليجية والعربية المطبِّعة مع نظام بشار الأسد عدم جديته في تنفيذ ما التزم به، فلا المخدّرات توقفت ولا السجناء أُطلقوا ولا النازحين عادوا.
مصدر ديبلوماسي عربي أفاد بأن الدول العربية التي اندفعت باتجاه تطبيع علاقاتها مع نظام الأسد أوقفت اندفاعتها بالتدرّج على المستويات السياسية والاقتصادية، قاطعةً خطوط التواصل الأمني والاستخباري .
أسباب عدة دفعت الرياض الى وقف سياسة الانفتاح على النظام أبرزها أن الأسد لم يلتزم بما تم الاتفاق عليه في اجتماع عُمان التشاوري، ولم ينفذ ما وعد به في قمة جدّة، فالنظام كان قد وعد الرياض وعواصم القرار الخليجي والعربي بوقف تدفق المخدّرات ووقف مصانع الكبتاغون في مقابل برامج اقتصادية وتنموية، لكن الأسد لم يوقف التهريب وانتاج المواد المخدّرة .
على صعيد آخر، تفيد المصادر الديبلوماسية أن بشار الأسد والمسؤولين في مخابراته والخارجية بدأوا بالتهرّب من استحقاقات إنسانية جرى الاتفاق عليها سابقاً، وهي معرفة مصير مجموعة من السجناء السياسيين والحقوقيين السوريين والعرب، وما زال النظام يتهرّب من تقديم أجوبة حول مصيرهم.
المصادر نفسها تعزو التحفظ السعودي الحاصل حيال النظام والتريث في افتتاح السفارة السعودية في دمشق على الرغم من جهوزيتها للعمل الى نكوث النظام بوعوده، خصوصاً لجهة وقف بيع العقارات للإيرانيين ورجال أعمال لبنانيين وعراقيين وإيرانيين في حلب وحماه، عبر بيع عقارات في المدن الداخلية في إطار رؤية إيران الاستراتيجية بالاستحواذ على أراضٍ سورية لتشييعها، غداة القضم الحاصل والمسبّب لتغيير ديمغرافي واسع، في حين أن الخطة العربية التي جرى الاتفاق عليها تهدف الى إعادة التوازن الطائفي الى سوريا على مراحل.
المشكلة لدى الدول العربية والخليجية في تعاطيها مع الملفات الشائكة كالملفين السوري واللبناني هي في أنها تؤمن بإمكانية إقناع الأعداء والخصوم بالحلول المتوازنة، فيما هؤلاء يزدادون غطرسةً وعنجهيةً وتصلباً كلما تعاطت عواصم القرار العربي والخليجي معهم بالحوار والانفتاح والتطبيع.

هذه المشكلة تحتاج الى أنماط أخرى ربما منها تجميد التطبيع أو الغاؤه او التهديد العلني بإلغائه إن لم تُستجاب الشروط والعهود والاتفاقات.
الكاتب السياسي المصري الشهير عماد الدين أديب يقول في آخر كتاباته إن رئيس المخابرات الأميركية وليام بيرنز، عندما زار الرياض عبّر للمسؤولين السعوديين عن صدمته من حضور بشار الأسد لقمة جدّة، فردّ عليه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بحسب أديب دائماً، بسؤال بيرنز عن أسباب إقدام واشنطن على الاتفاق مع إيران عام ٢٠١٥ من دون أخذ رأي الرياض ودول الخليج، وبالتالي إهمال واشنطن مخاوف الرياض ودول المنطقة الأمنية والاستراتيجية مع الإيرانيين، ما بات يحتّم على الرياض ودول الخليج القيام بكل ما تمليه مصلحتهم أولاً من دون الالتفات لرأي واشنطن.
انطلاقاً من هذا الكلام المنقول عن الكاتب عماد أديب، يمكن القول إن مسألة التطبيع الخليجي، وبخاصة السعودي لم يكن يوماً مسألة سعودية- سورية بل مسألة سعودية- إيرانية، إذ إن الرياض وبعد اتفاقها مع طهران في بكين فتحت خطوطها مع نظام الأسد،
ومن هنا جاء الحرص الإيراني على أن تقوم الرياض بدعوة بشار الأسد الى قمة جدّة للاستغلال السياسي المزور والمزيف لاحقاً، والقول بانتصار محور إيران في المنطقة وقد أصبح بشار الأسد في عقر دار العرب، وبالتالي ومن وجهة نظر طهران سقوط كل التحفّظات على بشار الأسد وصولاً الى التطبيع معه.
رب قائل إن استجابة الرياض للحرص الإيراني جاء بدافع من رغبة سعودية حقيقية صادقة بحل الملفات الشائكة في المنطقة بدءاً من الملف اليمني، وهذا الكلام قد يكون صحيحاً لاسيما وأن الاتفاق بين الرياض وطهران جاء في لحظة ضغط حوثي ميداني كثيف ومتصاعد على الرياض، وحاجة إيرانية للانفتاح على الرياض ودول الخليج من أجل المال والاستثمارات والخروج من عزلة وحصار إقليمي ودولي ضاغط على طهران أيضاً.
أكثر من ذلك، بإمكاننا اليوم الجزم بأن غيوم اتفاق بكين متلبّدة والاتفاق برمّته على المحك بين السعودية وإيران، فيما الرياض تتيقن يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة بعد مرور عدة أشهر والى الآن عدم التزام إيراني صحيح وواضح وتنفيذي بمندرجات اتفاق بكين.
توقف أو تجميد التطبيع بين السعودية وإيران له أيضاً أهداف أخرى بمنطق طهران وفي خدمتها، إذ يأتي من قبيل الضغط على الأميركيين مع توقف المحادثات والمفاوضات بين واشنطن وطهران، ما سيعيد طهران الى "البلطجة " السياسية وأول اهدافها الرياض، وبالتالي ترد الأخيرة بوقف التعاطي مع بشار الأسد وتوقف مسيرة التطبيع معه.
بكل الأحوال، يبقى أن الرياض أمهلت الأسد حتى نهاية هذا العام لتحقيق التزاماته وأهمها وقف تملك الإيرانيين في سوريا، وقد أودع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي النظام تلك المطالب والمطلوب من الأسد التصرّف تجاه إيران، الأمر المستحيل على الإطلاق لأن بشار لا يمكنه لا محاربة إيران ولا حتى التجرؤ على الطلب "بالمَونة " من الإيرانيين وقف التملك والتمليك، وهو ورقة إيرانية خاضعة وتابعة لطهران وأجندتها في سوريا والمنطقة.
الطلب من بشار الأسد مكافحة الوجود الإيراني كالطلب من اللبنانيين مكافحة حزب الله : في الأولى إعجاز وتهجير واستحالة، وفي الثاني مشروع حرب أهلية وتقاتل داخلي إن لم يساعد الأشقاء والأصدقاء اللبنانيين من الخارج للتخلص من السلاح غير الشرعي والمتفلّت.
أزمة حقل الدرة "نقزة " سعودية إضافية باتجاه التراجع عن التطبيع مع إيران وتيقن الرياض أكثر فأكثر من عدم جدية طهران في الالتزام باتفاق بكين ووعود أخرى.
من هنا، فإن التطبيع الخليجي وتحديداً السعودي مع نظام بشار الأسد في الثلاجة حالياً بانتظار مآل تطور العلاقات السعودية- الخليجية مع إيران، فإن "تسهلت" بين الرياض وطهران "تتسهل" بين الرياض ودمشق والعكس صحيح تماماً، وبالتالي يخطىء مَن يظن أن كل الأجواء التفاؤلية والانتصارية التي أُشيعت في المنطقة منذ اتفاق بكين من قبل أبواق إيران الإقليميين صحيحة ونهائية وسارية قدماً، لأن الوقائع اليومية تكشف عن تراجع متدرّج للرياض ودول مجلس التعاون وإيران.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: