هل بدأت الحرب الأميركية الروسية في سوريا استتباعاً لحرب أوكرانيا ؟

usarmysyrie1220203111544608

في مقالات سابقة لنا ومنها المقال بعنوان "هل بدأت المواجهة الأميركية الروسية في سوريا " تاريخ السادس من الشهر الحالي، أعطينا وصفاً دقيقاً للوضع الميداني والسياسي المتأزم بين الأميركيين وحلفائهم المحليين في شمال شرق الفرات، والروس وحلفائهم في شمال غربي الفرات.
اليوم وفي ضوء التطورات الميدانية المستجدّة في اليومين الماضيين بات من شبه المؤكد أن المواجهة بين الأميركيين والروس بدأت فعلياً بمناوشات لا تزال مضبوطة يغلب عليها طابع الرسائل المتبادلة بين الطرفين، وعرض عضلاتهما كلا على الآخر على المسرح السوري المتهالك والمنهار أصلاً .
حالياً واشنطن تصعّد ضد موسكو في سوريا، فيما الأمم المتحدة ترفض شروط نظام الأسد بشأن المساعدات.
هذا التصعيد بين اللاعبين الكبار في سوريا يضاعف من احتمالات التصادم بينهما ولو بطريقة مباشرة، ما يطرح بجدية كبرى مصير نظام الأسد الموالي للروس وموقعه، كما موقع سوريا برمّتها في المعركة التي تدور رحاها على الأرض السورية.
ثمة معادلة جيو سياسية سبقَ أن تكلمنا عنها منذ بداية الحرب في أوكرانيا، الازوري أوكرانيا في مقابل سوريا. ففي الفترة التي كان فيها الروس مطمئنين الى مصالحهم في غرب أوروبا وغرب حدودها كان التركيز على دعم بشار الأسد عام ٢٠١٥، بناءً على غضّ طرف أميركي واضح خاضه الرئيس باراك أوباما، ما سمح لموسكو باللعب والتوسّع في سوريا ودعم الأسد حتى أنقذت نظامه من السقوط الحتمي والانهيار المحسوب لو تُركت الثورة السورية حرة ومستمرة من دون خرقها وتفجيرها من الداخل، وبالتالي ترسّخت للرئيس بوتين ورقة سوريا بيده مع عدم معارضة أميركية، ما سمح له في سنوات لاحقة من مهاجمة أوكرانيا كما حصل.
وزارة الدفاع الأميركية كشفت عن تجاوزات جديدة ترتكبها القوات الروسية وصولاً الى البادية السورية حيث تحلق الطائرات الروسية فوق القاعدة العسكرية الأميركية في التنف بهدف التجسّس وجمع المعلومات .
واشنطن رفعت قدرات القوات الأميركية في سوريا للتمكّن من صد التحرّشات الروسية وميليشيات إيران.
بالتزامن، نجد واشنطن ترسل منظومة صواريخ "هايمارس " الأميركية الى قاعدة حقل العمر في ريف دير الزور وهو التطور العسكري الأبرز للقوات الأميركية في مواجهة التحرّشات الروسية.
شبكة سكاي نيوز الأميركية نقلت عن مصادر رفيعة المستوى في البنتاغون أن القوات الأميركية في سوريا رفعت قدراتها العسكرية لمواجهة تحرّشات الروس والجماعات التابعة لإيران والنظام السوري، فيما واشنطن عاكفة على دراسة عدد من الخيارات العسكرية لمواجهة العدوان الروسي المتزايد في سماء سوريا، وهي مصمّمة على عدم التخلّي عن أي منطقة في سوريا وستواصل طيرانها في غربها في إطار مهامها ضد تنظيم الدولة.
الصراع الأميركي- الروسي في سوريا واضح المعالم وهو صراع سيطرة و"لي ذراع" بين الدولتين الجبارتين، ووزارة الدفاع الأميركية تصعّد تحذيراتها للقوات الروسية في سوريا وترفع قدرتها لمواجهة تحرّشات موسكو المتزايدة.
في المقابل، تعزّز موسكو قواتها في سوريا وترسم خطوطاً جديدة برعايتها وتطلق طائرة استطلاع روسية فوق قاعدة التنف العسكرية ولفترة طويلة بهدف التجسّس وجمع المعلومات حول خريطة المواقع الأميركية.
بعد اتفاق لافروف - كيري، بسطت أميركا قواتها في شرق الفرات، فيما أعطي غرب الفرات للروس واستمر الأمر على هذا المنوال حتى حرب أميركا ضد الإرهاب، حيث كانت الطائرات الأميركية، وبالتفاهم مع الروس تضرب في مناطق سيطرة روسيا غرب الفرات وغرب سوريا حيث هناك تواجد لقواعد إرهابية،
لكن وبعد التعاون العسكري الروسي- الإيراني ونظام الأسد في أوكرانيا كان هناك دَيْن على روسيا لطهران نتيجة تسليح موسكو بالمسيّرات والصواريخ في حربها ضد أوكرانيا.
طهران وموسكو اتفقتا في سوريا على التضييق على الأميركيين ومنعهم من قصف الإرهابيين وحملهم على الرحيل من تلك المناطق،
الا أن واشنطن وبدل الانسحاب عزّزت مواقعها في منطقة تل بيدر والشدادة وخراب عشق ومنطقة الكونيكو وحقل العمر، واستنفرت قواتها بشكل كبير وزوّدتها بصواريخ هيمارس الدقيقة التي فتكت بمراكز القيادات الروسية في أوكرانيا.
روسيا تريد من جهتها وفضلاً عن التضييق على الأميركيين في سوريا، التخفيف من وطأة قانون قيصر الموجّه ضد النظام السوري وتذهب الى حد رفض المساعدات عبر الممرات السورية الشمالية للضغط من أجل تخفيف العقوبات عن دمشق ونظامها ومنطقة نفوذه التي تعاني اقتصادياً ومالياً من مصاعب جمة، فضلاً عن رغبة موسكو بعودة العلاقات العربية مع سوريا ومنع أي عرقلة لها .
موسكو وطهران تحاولان من خلال الضغط على واشنطن وتحديداً على إدارة الرئيس بايدن، وبخاصة في سوريا سحب واشنطن من الساحة السورية لثقتهما بأن الضغط على واشنطن سيلزمها بالانسحاب تحت ضغط الشارع الأميركي، خصوصاً في فترة الاقتراب من الانتخابات الرئاسية في أميركا التي يؤمل روسياً وإيرانياً أن تأتي برئيس جمهوري لن يبقي على الوجود الأميركي في سوريا.
رأس الحربة في هذا الضغط هم الإيرانيون وليس الروس، لأن الإيرانيين عبر المسيّرات والصواريخ يصيبون أكثر، فيما الروس دورهم متراجع وهم الطرف الأضعف لعدة أسباب منها فضيحة فاغنر وتورّط روسيا في أوكرانيا.
الروس والأميركيون يتبادلان عمليات التجسّس على بعضهما في منطقة شمال سوريا والتنف وسواها من مناطق حساسة للطرفين.
طائرات أميركية حلّقت فوق مطار حميميم ردّت عليها موسكو بتحليق طائراتها فوق قاعدة التنف في رسائل متبادلة بين الطرفين فوق الأراضي السورية حيث يتواجهان عبر قواعدهما.
ما يحصل اذاً في شمال سوريا يؤكد المؤكد من أن لا حل في سوريا على المديَين المنظور والمتوسط لأن الساحة السورية تتجه نحو المزيد من التعقيدات والتصعيد وتشابك الأوراق المفرزة، خصوصاً في ظل تحوّل الساحة السورية الى ساحة تنافس بين الأميركيين والروس وحلفائهم، ما يُبعد جداً أي تأثير لنظام الأسد داخل أو خارج حدود سوريا، ويُسقط مقولات عودة محورية النظام السوري في قضايا الإقليم والعالم العربي.
تفاهمات أميركا وروسيا حول سوريا التي أُبرمت عام ٢٠١٥ لم تسقط رغم كل شيء، لكنها لا تمنع التنافس بين الطرفين وتبادل الرسائل.
التعزيزات الأميركية العسكرية، سواء في القوى كجيش الثوار وقسد الصناديد أو السلاح والمعدات، تهدف للمواجهة وهي تزود حلفائها بصواريخ وطائرات، فضلاً عن زيادة قدراتها العسكرية والقتالية سواء في الخليج أو المنطقة العربية في مواجهة إيران بشكل خاص والروس في سوريا.
الهدف الاستراتيجي لإيران وحلفائها وميليشياتها هو منع إقفال الأميركيين وحلفائهم ممر البوكمال المتبقي الوحيد في شرق سوريا لوصل مناطق النظام بإيران .
التوتر الروسي- الاميركي في أوكرانيا بدأت تأثيراته على الأرض السورية، وإن كانت موسكو لا تستطيع فتح جبهتين، واحدة في أوكرانيا وآخرى في سوريا، الا أنها مضطرّة لتعزيز وجودها في سوريا لاسيما وأنه لم يعد بإمكانها إيكال أمر تمثيلها عسكرياً لفاغنر فقط، الأمر الذي سيدفع بالكرملين الى تحشيد قوات نظامية تقلّص من قوة التحشيد في أوكرانيا.
الملف السياسي السوري معقد وموسكو أعجز من أن تُحدث خرقاً في الملف السياسي، ما يدفع بموسكو الى الارتداد على العرب والسعي لعلاقات عربية- سورية.

الأكيد أن ميليشيات إيران وفي طليعتها حزب الله اللبناني ولواء القدس يدفعون بتعزيزات عسكرية جديدة الى البوكمال والميادين ما ينبىء بتورط جديد في أي مواجهة مع الأميركيين تمليه عليهم القيادة الإيرانية بالواسطة.
هناك حزم في الردع الأميركي للإيرانيين وتحشيد عسكري في سوريا لتركيع الإيرانيين والروس، ومن هنا بقاء كافة الاحتمالات واردة والطرف الخاسر أولاً وأخيراً السوريون ودولتهم ونظام الأسد والميليشيات الإيرانية فيما الولايات المتحدة ستكون منتصرة مع حلفائها.
أي اشتباك اذاً لن يكون بين الأميركيين والروس بل بين حلفائهم لكن من دون الوصول الى التصادم الأميركي.
واشنطن أبلغت من جهتها قسد بالتأهب لأي هجوم من الضفة الغربية لنهر الفرات، فيما القوات الروسية تشيّد جسراً حربياً على نهر الفرات وهو تطور يحمل في طياته معانٍ كثيرة حول طبيعة المرحلة الساخنة المقبلة في سوريا.

تبقى الأيام والأسابيع المقبلة حافلة بالتطورات في سوريا، لكن الأكيد أن النظام فقدَ نهائياً زمام الأمور في بلده وقدراته على التحكّم بمصير سوريا ومصيره هو في سوريا.

يشار إلى أن حزب مارياني لم يصادق على مشروع حزب "الشعب" بتنظيم عودة النازحين السوريين.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: