هل تنجح السعودية في انتزاع " فتيل" حرب عالمية ثالثة يطّل برأسه من أوروبا؟

Saudi-Flag-6-623x416

مَن يراقب المشهد الدولي بدقةٍ على مدار الخرائط والمواقع الساخنة في مختلف بقع ومناطق التوتر، يدرك بلا أدنى شك أن العالم متجهٌ بسرعة فائقة ومخيفة ومقلقة نحو مواجهة دولية مسرحها أوروبا وأفريقيا وبحر الصين، مروراً بالشرق الأوسط.
هناك فعلاً ما يشبه الإنذار بوقوع حرب عالمية ثالثة بكل ما للكلمة من معايير، خصوصاً مع اشتداد التوتر الأميركي- الروسي في سوريا، حيث اصطدمت مقاتلات أميركية وروسية في المسار الجوي السوري، بالإضافة الى حالة "تحشيد" عسكري أميركي في المتوسط وشمال وجنوب وشرق سوريا سبق أن تكلمنا عنه بالتفاصيل في مقالاتنا الأخيرة، بالإضافة الى تصريحات تصعيدية لوزراء دفاع أميركا وروسيا، فيما الحرب في أوكرانيا مستعرة مع تزايد الدعم الغربي وتدفّق الأسلحة الى أوكرانيا، فضلاً عن هجمات أوكرانية في الداخل الروسي كما حصل بالأمس في موسكو ومناطق تحيط بأماكن وجود الرئيس بوتين.
الحرب في أوكرانيا التي معها بدأ كل شيء آخذة منحى تصاعدياً لناحية التوتر والمواجهة الدولية مع روسيا من خلال انعطافات خطيرة ليس آخرها تكرار الهجمات بالمسيّرات على موسكو كما حصل بالأمس، في الوقت الذي طلب فيه نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي ديميتري ميدفيديف من الغرب التضرّع الى الرب كي لا تخسر روسيا حربها في أوكرانيا، لأنه عندها سيكون السلاح النووي هو الحل.
ميليشيا فاغنر تبقى المعادلة الخطيرة في الأسابيع والأيام القليلة المقبلة، فزعيمها يفغيني بريغوجين قيل أنه لا يزال في بيلاروسيا حيث يستقر حالياً، علماً بأن بيلاروسيا، من الناحية الجيو سياسية هي المنطقة الجغرافية التي تربط بين روسيا وإقليم كاليننغراد الواقع ضمن حدود جغرافية لثلاث دول أعضاء في حلف الناتو.
هذا الإقليم الذي بقي حتى الآن تحت السلطة الروسية ويُعتبر من أقاليم الدولة الروسية وهو يقع على أطراف بولاندا وليتوانيا، يحتاج الوصول اليه جغرافياً من قبل الروس الى المرور عبر بيلاروسيا باتجاه طريق يبلغ طولها حوالي ٧٠ كلم، وهو مخصّص للقطارات ويمر عبر شريط موازٍ لبولاندا وليتوانيا لتمكين القطارات الروسية من الوصول الى إقليم كاليننغراد.
الرئيس البيلاروسي، ومن بعده الرئيس البولندي نفسه صرّحا عن وجود قرار لدى فاغنر بالدخول الى بولاندا عبر معبر سوالكي باتجاه كاليننغراد، ما يعني حتماً اعتبار عبور فاغنر عبر الأراضي البولندية والليتوانية بمثابة اعتداءٍ على دولتين عضوين في حلف الناتو، وبالتالي حتمية دخول الولايات المتحدة ودول الناتو في حرب مباشرة مع الروس.
هذا في الشق الأوكراني، أما في الشق الأفريقي فإن منظمة دول الساحل الأفريقي الغربي التي عقدت قمّتها منذ يومين للتصدّي للانقلاب العسكري في النيجر، وهي منظمة دول متحالفة مع الأميركيين والفرنسيين والغرب، قرّرت إمهال الإنقلابيين في النيجر ١٥ يوماً لإعادة الرئيس محمد بازوم الى السلطة، ما فُسّر من طرف الإنقلابيين على أنه تهديد بالتدخّل العسكري، الذي اذا ما حصل سيوكل أمر أفريقيا الى قوات جمهورية نيجيريا المتاخمة للنيجر للتدخّل العسكري وإعادة الأوضاع الى نصابها، وقد تلقّف الإنقلابيون جدّية التهديد الأفريقي الغربي بالتدخّل، ما دفعهم الى دعوة الشعب للنزول الى الشوارع للتعبير عن دعمهم للانقلاب والتصدّي لأي تدخل عسكري خارجي، وهذا ما حصل بالأمس حيث تظاهر الآف النيجيريين وهاجموا السفارة الفرنسية، مطالبين برحيل القوات الأجنبية كافة من البلاد وأولها الفرنسية والأميركية، وقد رفعوا العلم الروسي وأحرقوا العلم الفرنسي وسط هتافات ولافتات تدين فرنسا والغرب وتؤيد روسيا والرئيس بوتين.
طبعاً من المبكر التأكيد هنا اذا كان ما حصل ويحصل في النيجر هو تدبير روسي لسحب البساط من تحت أقدام باريس وواشنطن، بعدما خسرت فرنسا مالي وبوركينا فاسو والآن النيجر، إلا أن الأكيد أن ما يحصل يستغله الرئيس بوتين للتغلغل في العمق الأفريقي، فهو استغل قمة سان بيتيرسبورغ الروسية- الأفريقية لإطلاق مواقف وشعارات معادية للغرب ودوره الاستعماري في أفريقيا، وكأن الرئيس بوتين سيأتي لشعوب تلك الدول بالمنّ والسلوى أكثر من الفرنسيين والغرب، أو كأنه سيتبنّى مطالب الشعوب الأفريقية "لوجه الله" ومن دون مقابل، لا بل من دون إخضاعهم لاستعمار روسي من نوع آخر .
والأكيد أيضاً أن قوات فاغنر الموجودة في أفريقيا حيث استثماراتها الضخمة ومناجم الذهب والفحم وسواها من استثمارات ضخمة ليست بعيدة أبداً عن تسعير النقمة ضد الغرب والفرنسيين تحديداً، وعن تحالفها مع الانقلابيين في النيجر.
في شقٍ آخر أيضاً، يتصاعد التوتر في بحر الصين والمحيط الهادىء مع تصاعد التهديدات والتهديدات المضادة بين الصين وكوريا الشمالية من جهة والأميركيين واليابان وتايوان وتايلند وسواها من دول حليفة لواشنطن من جهة أخرى، وقد ضاعفَ الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إطلاق الصواريخ الباليستية التحذيرية، وهو استقبل وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الذي زاره لتمتين التحالف العسكري ولطلب أسلحة للجيش الروسي، وقد لبّى الزعيم كيم وسيلبّي مطالب موسكو، مبدياً دعمه الكامل لروسيا في حرب أوكرانيا.
الفتيل المتوقّع لاندلاع حرب عالمية ثالثة موجود في أوروبا، وتحديداً بين أوكرانيا وتهديد فاغنر بالعبور الى كاليننغراد عبر دولتَين أطلسيتين، الأمر الذي حدا بالمملكة العربية السعودية، بحكم علاقاتها الجيدة والمحترمة مع الدول والقوى العظمى مثل أميركا والصين وروسيا، إضافةً الى دول أوروبا وحتى أوكرانيا الى توجيه الدعوة لانعقاد مؤتمر للسلام في جدّة الشهر المقبل، في محاولة لردم الهوّة بين القوى العالمية المتصارعة، وقد أيدت دول أوروبية عدة المبادرة السعودية، إذ إن الرياض قادرة على جمع المتصارعين عندها للخروج بحلول سلام تقي العالم التفجير الكبير وإيقاف الحرب في أوكرانيا.
الرياض لم تكن لتتخذ مثل هذه المبادرة لولا تيقّنها بتجمع غيوم اندلاع حرب عالمية فعلية وجدّية تهدّد الأمن العالمي وربما مستقبل الكوكب برمّته، واذا أردنا التحدّث بلغة المنطق والعقل فلا نجد أن ثمة إمكانية لأي دولة أن تخاطر باستخدام السلاح النووي ضد الخصم، ولكن لا يمكن استبعاد هذا الاحتمال ولو من باب الاحتياط لاسيما، وأن أي خطأ في الحسابات من دولة أو محور متصارع يمكن أن يستجرّ الكارثة الكبرى، من هنا قرّرت الرياض استضافة الدول والقوى المتصارعة على طاولة السلام لإنهاء "الأزمة الأم" في أوكرانيا قبل فوات الآوان، لا سيما وأن رقعة الصراع بدأت تتسع الى خارج الحدود الأوكرانية وصولاً الى أفريقيا فآسيا وبحر الصين.
العالم يعيش أوقاتاً عصيبة حيث مصير أمن وشعوب معلّق على مدى حكمة أو رعونة قادة عالميين مؤثرين، فمؤشر الحرب العالمية الثالثة متوفر، وبالتالي علينا أن نترقّب ماذا يمكن أن يحصل في الأيام والأسابيع المقبلة على مساحة دول وميادين المواجهة وأيهما يسبق الآخر : الحرب أو السلام ؟!

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: