لم يعد سباق الهيمنة في وادي السيليكون محصورًا بسرعة الخوارزميات أو تطوّر الأكواد، بل انتقل إلى معركة أكثر واقعية تدور حول تأمين الكهرباء. فمع التوسّع الهائل في مراكز البيانات اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، باتت الطاقة شرطًا وجوديًا: لا ذكاء اصطناعي بلا كهرباء.
هذا التحوّل دفع شركات التكنولوجيا الكبرى إلى خوض "حرب مواهب" من نوع جديد، حيث تراجعت أولوية المبرمجين لصالح خبراء الطاقة، والربط الشبكي، واستراتيجيي البنية التحتية. ووفق تقرير نشرته شبكة "CNBC"، ارتفعت معدلات التوظيف المرتبطة بقطاع الطاقة داخل شركات التكنولوجيا بنسبة 34 في المئة خلال عام 2024، في مؤشر واضح إلى تغيّر هوية هذه الشركات من كيانات رقمية إلى لاعبين طاقويين فعليين.
وبحسب التقرير، استهلكت مراكز البيانات نحو 1.5 في المئة من إجمالي الكهرباء العالمية في 2024، مع توقّعات بزيادة سنوية تقارب 12 في المئة، ما جعل الطاقة "عنق الزجاجة" الذي يهدّد طموحات الذكاء الاصطناعي. هذا الواقع دفع شركات مثل "مايكروسوفت" و"غوغل" و"أمازون" إلى استقطاب خبرات طاقوية رفيعة بدل الاعتماد الكامل على الشبكات العامة.
وبرزت "مايكروسوفت" في هذا السباق، بعدما استقطبت أكثر من 570 خبير طاقة منذ عام 2022، فيما عززت "ألفابت" صفوفها بأكثر من 340 خبيرًا، بينهم قيادات سابقة في شركات نفط وطاقة عالمية، ما يؤكد أن الخبرة في إدارة الشبكات المعقّدة أصبحت عنصرًا حاسمًا في المنافسة الرقمية.
ولم يقتصر التوجّه على التوظيف، بل امتد إلى الاستحواذ المباشر على شركات طاقة وبنية تحتية، كما في سعي "ألفابت" لامتلاك شركة "إنترسكت" لمراكز البيانات في صفقة قاربت 4.75 مليار دولار، في خطوة تعكس تحوّل شركات التقنية إلى كيانات تؤمّن طاقتها بنفسها لضمان الاستقلال التشغيلي.
الذكاء الاصطناعي: صناعة تلتهم كهرباء مدن
في هذا السياق، يقول عاصم جلال، استشاري العلوم الإدارية وتكنولوجيا المعلومات، إن نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء، لافتًا إلى أن تدريب نموذج واحد قد يوازي استهلاك مئات أو آلاف المنازل سنويًا، فيما يتجاوز استهلاك التشغيل اليومي أحيانًا كلفة التدريب نفسها خلال أشهر قليلة.
ويحذّر جلال من أن الفارق في البنية التحتية للطاقة قد يحسم سباق الذكاء الاصطناعي عالميًا، مشيرًا إلى تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة "إنفيديا" حول تفوّق الصين في القدرة على تنفيذ مشاريع طاقة وبنية تحتية بسرعة تفوق الولايات المتحدة.
الطاقة.. عمود الهيمنة الرقمية
بدوره، يرى مستشار الطاقة الدولي عامر الشوبكي أن العالم يعيش ثورتين متوازيتين: ثورة الذكاء الاصطناعي وثورة إعادة تعريف الطاقة، معتبرًا أن شركات التكنولوجيا انتقلت من مرحلة استهلاك الكهرباء إلى إدارتها وتأمينها كأصل سيادي.
ويؤكد أن اختيار مواقع مراكز البيانات بات قائمًا على "الجغرافيا الطاقية" لا الرقمية فقط، مشددًا على أن من لا يملك طاقة مستقرة ورخيصة، لا يملك مستقبل الذكاء الاصطناعي. ويضيف أن عمالقة التكنولوجيا يستثمرون اليوم في الطاقة الشمسية والرياح، ويوقّعون عقود شراء تمتد لعقود، ويدرسون بناء مفاعلات نووية صغيرة.
ويخلص الشوبكي إلى أن خبير الطاقة أصبح الموظف الأهم في شركات التكنولوجيا، ليس فقط كمهندس، بل كمخطط استراتيجي ومفاوض ومدير مخاطر، في وقت بات فيه تأمين الكهرباء يسبق تطوير الأكواد، ويشكّل العمود الفقري الخفي للهيمنة الرقمية المقبلة.