كتبت رماح هاشم في صحيفة "نداء الوطن":
بعد سنوات من الجمود في ملف النفط والغاز، عاد قطاع الطاقة اللبناني إلى الواجهة مجدّدًا مع توقيع اتفاق جديد بين الدولة اللبنانية وتحالف شركات دولية.
برعاية رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وحضوره، وقع تحالف"توتال" و "قطر للطاقة" و "إيني" الإيطالية أمس اتفاق التنقيب عن الغاز في البلوك 8 مع لبنان في حفل أقيم قبل ظهر أمس في السراي الحكومي.
وقع وزير الطاقة والمياه جو صدّي عن لبنان، وعن شركة "توتال إنرجيز" مدير "توتال لبنان" رومان دولامارفينيار، وعن جانب شركة "قطر للطاقة" رئيس التنقيب في الشركة علي عبداللّه المانع، وعن جانب شركة "إيني" مدير شركة "إيني لبنان" أندريا كوزي. في حضور رئيس هيئة إدارة قطاع البترول في لبنان غابي دعبول وعضوي مجلس الإدارة وسام الذهبي ووسام شباط، رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة "توتال إنرجيز" جوليان بوجيه، وسفير إيطاليا في لبنان فابريسيو مارتشللي، سفير قطر سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، وممثل سفير فرنسا برونو بريييرا.
وقال صدّي "إن هذه الخطوة تؤكد مرّة جديدة التزام التحالف بمواصلة أنشطة الاستكشاف في لبنان، رغم كلّ التحدّيات، وتعكس الثقة المستمرّة بالإمكانات البترولية في المياه البحرية اللبنانية. ونتطلّع اليوم إلى أن يقوم التحالف في أقرب وقت ممكن بالتحضير والتنفيذ السريع لحملة المسح الزلزالي الثلاثي الأبعاد، بما يتيح تحسين المعرفة الجيولوجية والتقنية للبلوك رقم 8، وتقييم الفرص المتاحة بشكل أدق، مع التركيز على مساحة البلوك رقم 8 وهي نحو 1200 كلم2".
في هذا الإطار، لفت إلى أن "وزارة الطاقة تعمل بالتعاون مع إدارة قطاع البترول على إعداد ملف إطلاق دورة التراخيص الرابعة، ونعمل معًا لتهيئة دفتر الشروط بهدف جذب الشركات العالمية للاستثمار في البلوكات البحرية المفتوحة، وتعزيز نشاط الاستكشاف والإنتاج في لبنان".
وردًّا على سؤال عمّا إذا كانت هناك ضمانات بأن هذا التحالف الذي سيعمل في البلوك رقم 8 سيحصل لبنان على تقرير تقني رسميّ عن عمله؟
أجاب: "بالنسبة للبلوك رقم 9 وصل إلى لبنان تقرير رسمي وهو موجود لدى الوزارة وهيئة إدارة قطاع البترول، فشركات النفط ليست بصدد صرف عشرات ملايين الدولارات لكي لا تجد النفط أو الغاز، ومصلحتها أن تجد النفط والغاز، وقد صودف أن في البقعة التي تمّ حفرها في البلوك رقم 9 لم تجد نفطًا، والتقرير الرسمي المفصّل موجود، وبناء على قانون الحصول على المعلومات يمكن الدخول إلى موقع الهيئة والحصول على ملخص عن التقرير".
أضاف: "من هنا أهمية المسح الزلزالي في البلوك رقم 8 لفهم الجيولوجيا التفصيلية لهذا البلوك وعلى هذا الأساس سيحصل الاستكشاف".
وردًّا على سؤال، قال: "ستعرض هيئة إدارة البترول بعد حوالى شهر التعديلات الواجب وضعها في دفاتر الشروط لنتمكن من زيادة عدد الشركات التي تقدم العروض، وهذا ما سنعمل عليه ونعرضه في الوقت المناسب على مجلس الوزراء". وأشار إلى أن "ما يساعد أكثر هو استقرار وضع لبنان والمنطقة".
الجدوى العملية
ورغم أن هذه الخطوة تعكس محاولة لإعادة تحريك أحد القطاعات الاستراتيجية القادرة، نظريًا، على دعم الاقتصاد الوطني، إلّا أنها تطرح في الوقت نفسه جملة من التساؤلات حول جدواها العملية، وتوقيت تنفيذها، وقدرة لبنان على الانتقال من مرحلة التوقيع إلى مرحلة العمل الفعلي.
في هذا الإطار، تقدّم الخبيرة في حوكمة النفط والغاز في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لوري هايتيان، قراءة للاتفاق، تضيء على إيجابياته من جهة، وتسلّط الضوء على مكامن الضعف والتحدّيات التي لا يمكن تجاهلها، في ظلّ الحاجة الملحّة إلى سياسات أكثر ديناميكية وفاعلية لإدارة هذا الملف الحيوي.
الاتفاق خطوة تحريك لا إنجاز نهائي
تقول هايتيان إن "توقيع الاتفاق بين لبنان وكل من تحالف "توتال" و "قطر للطاقة" و "إيني" الإيطالية، خطوة إيجابية من حيث الشكل، إذ يعيد تحريك ملف الأنشطة الهيدروكربونية ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية بعد فترة طويلة من الجمود. ويكتسب هذا الاتفاق أهمية إضافية كونه أول عقد يُوقع منذ عام 2018، تاريخ توقيع عقود البلوكين 4 و 9، ما يؤكد أن قطاع النفط والغاز في لبنان لم يُقفل نهائيًا ولا تزال إمكانية إحيائه قائمة".
في المقابل، تُشدّد على أنه "لا يمكن إغفال بعض الملاحظات الجوهرية المرتبطة بمضمون الاتفاق. فالعقد الجديد يُعدّ الثالث الذي يُوقع مع الكونسورتيوم نفسه تقريبًا، مع تعديل محدود في تركيبته بعد استبدال شركة "نوفاتك" عام 2023 بشركة "قطر للطاقة"، في حين بقيت شركة توتال المشغل الأساسي. هذا الواقع يطرح تساؤلات مشروعة حول قدرة لبنان على استقطاب شركات دولية إضافية، ولا سيّما أن نتائج أعمال الاستكشاف السابقة في البلوكين 4 و 9 لم تكن مشجعة".
الكونسورتيوم نفسه
تُضيف هايتيان: "كما أن إعادة تكليف الكونسورتيوم ذاته بتنفيذ الأعمال الاستكشافية في البلوك 8، رغم بطء وتيرة العمل والنتائج السلبية السابقة، تُشكّل نقطة ضعف في مقاربة إدارة هذا القطاع. فالأداء الاستكشافي اتسم حتى الآن بالبطء، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى تسريع العمليات بدل تمديد المهل الزمنية. يُضاف إلى ذلك أن المرحلة الأولى من العقد، والمتمثلة بأعمال المسوحات والدراسات، قد تمتد لعدة سنوات، قد تصل إلى خمس سنوات، وهو إطار زمني طويل في ظلّ الظروف الاقتصادية الراهنة. وعلى الرغم من أن هذا الجدول الزمني ينسجم مع معايير الشركات لناحية تقليص المخاطر الاستثمارية، إلّا أنه يتعارض مع حاجة الدولة اللبنانية إلى تحقيق تقدّم أسرع في هذا الملف".
بطء الاستكشاف.. والوقت الضائع
وعليه، تصف هايتيان الاتفاق على أنه "خطوة إيجابية من حيث إعادة تفعيل القطاع، لكنها في الوقت نفسه خطوة تحمل مزيجًا من الإيجابيات والسلبيات، إذ تعيد الأمل بإحياء قطاع استراتيجي، لكنها لا تعالج بالكامل إشكاليات البطء، محدودية النتائج السابقة، وضعف تنوّع الشركاء الدوليين".
وهنا تلفت إلى أننا "ننظر إلى المستقبل، ومن هذا المنطلق يمكن القول إن تصريح رئيس الحكومة كان في مكانه، واقعيًا ومتوازنًا. فقد شكّل خروجًا عن الخطاب المبالغ فيه، وأكّد مقاربة عقلانية للملف، من دون الإيحاء بأن لبنان بات فجأة دولة نفطية أو دخل نادي الدول المنتجة"، مضيفةً "أهمية هذا التصريح تكمن في تركيزه على ضرورة الانتقال من توقيع العقود إلى تسريع وتيرة العمل، ولا سيّما أن عامل الوقت يشكّل عنصرًا حاسمًا بالنسبة للبنان في ظلّ أوضاعه الاقتصادية الراهنة. فالرسالة كانت واضحة: التوقيع بحدّ ذاته خطوة إيجابية، لكن المطلوب اليوم هو الإسراع في التنفيذ، لأن لبنان لا يملك ترف الانتظار".
في هذا السياق، ترى أنه "يبرز الرهان على دورة التراخيص الرابعة التي بدأت ملامحها بالظهور. فهذه الدورة تشكّل فرصة حقيقية لإعادة النظر في بعض الشروط الفنية والمالية المعتمدة، بما يسمح باستقطاب شركات إضافية غير تلك الموجودة حاليًا. فكلما اتسعت قاعدة الشركات المشاركة، زادت المنافسة، ما ينعكس إيجابًا على سرعة العمل وفعاليته".
التحدّي المقبل
من هنا، تؤكّد أنه "قد يكون من المفيد التوجّه نحو استقطاب شركات ذات حجم متوسط أو أصغر نسبيًا، تتمتع بمرونة أعلى وبشهية كبرى للمخاطرة والاستثمار السريع. هذا النوع من الشركات غالبًا ما يكون أكثر حماسة للعمل والاستكشاف، لأن نجاح المشاريع يشكّل عنصرًا أساسيًا في أدائها المالي، بخلاف بعض الشركات الكبرى التي لا تتأثر أوضاعها المالية بشكل مباشر بتباطؤ التنفيذ".
وعليه، فإن "التحدّي في المرحلة المقبلة يكمن في الاستفادة من التجربة السابقة، وتطوير الشروط التعاقدية في دورة التراخيص الرابعة، بما يخلق بيئة أكثر جاذبية لشركات ديناميكية، سريعة القرار، وأكثر استعدادًا للمخاطرة والاستثمار، بما يخدم مصلحة لبنان ويُسرّع عملية الاستكشاف والإنتاج"، وفق ما تشير هايتيان.
وهنا تُشدّد على أنه "على الحكومة اللبنانية أن تعتمد دبلوماسية الطاقة بشكل أكثر فاعلية، بهدف خلق مناخ جاذب للاستثمار وتحفيز شهية الدول والشركات الدولية للاستثمار في قطاع الطاقة اللبناني. فإلى جانب الأطر القانونية والتعاقدية، يبقى للعمل الدبلوماسي دور أساسي في تسويق لبنان كوجهة محتملة للاستثمار الطاقوي".
وفي هذا السياق، ترى أنه "هنا يبرز دور الحكومة في الانخراط بشكل نشط مع الدول المؤثرة وشركات الطاقة الكبرى، ولا سيما الشركات الأميركية، التي ينبغي أن تشكّل هدفًا استراتيجيًا للدولة اللبنانية في المرحلة المقبلة".