عاد رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري إلى الواجهة بخطاب أعلن فيه إعادة تيار المستقبل إلى الحياة السياسية عبر بوابة الانتخابات النيابية. عودةٌ لم تكن تفصيلاً عابراً في مشهد سنّي يعاني من التشتّت وغياب القيادة المركزية منذ تعليق التيار عمله.
توقيت هذه العودة يحمل دلالات سياسية واضحة، فهي تأتي قبل أشهر من الاستحقاق النيابي، وفي لحظة إعادة خلط أوراق داخلية وإقليمية، ما يوحي بأن القرار ليس معزولاً عن قراءة أوسع لموازين القوى. فالفراغ الذي خلّفه غياب "المستقبل" في الدورة السابقة سمح ببروز شخصيات ولوائح متفرقة، وأدى إلى تراجع نسبة الاقتراع في بعض الدوائر ذات الغالبية السنّية، ما انعكس خللاً في التمثيل وتراجعاً في القدرة على التأثير داخل المجلس.
أما على مستوى النتائج المحتملة، فمن شأن عودة التيار أن تعيد شدّ العصب الانتخابي ورفع نسبة المشاركة، خصوصاً في بيروت وطرابلس وصيدا والبقاع الغربي. كما أنها ستفرض إعادة رسم التحالفات، إذ إن دخول لاعب منظّم يمتلك ماكينة انتخابية وخبرة تراكمية سيغيّر حسابات الحواصل في النظام النسبي، وقد يعيد تشكيل كتل نيابية وازنة داخل البرلمان المقبل.
في المقابل، تبقى العودة محكومة بامتحان الشارع، هل يستطيع التيار استعادة زخمه الشعبي بعد سنوات من الانكفاء والانهيار الاقتصادي، أم أن المزاج العام تبدّل ويفرض معادلات جديدة؟
اقتراع المغتربين.. الرأي الاستشاري بين التشريع والتأجيل
في موازاة الحراك السياسي، برز موقف لافت عن هيئة الاستشارات في وزارة العدل، جواباً على سؤال وزير الداخلية أحمد الحجار بشأن آلية اقتراع المغتربين في ظل تعذّر تطبيق "الدائرة 16". الهيئة أكدت أحقية اللبنانيين المنتشرين في الاقتراع من الخارج للدوائر الـ15، كما جرى في انتخابات 2022، ما يعيد تثبيت مبدأ المشاركة الشاملة ويقطع الطريق على أي محاولة لتقييد تصويت الاغتراب تحت ذرائع تقنية.
غير أنّ الإشكالية لا تكمن في صلاحيات الهيئة بحدّ ذاتها، بل في ما سيلي رأيها. فبعدما قدّمت هيئة الاستشارات رأيها القانوني، تصبح الكرة في ملعب رئيس مجلس النواب، إذ يبقى عليه الأخذ بهذا الرأي والدعوة إلى جلسة تشريعية إذا اقتضى الأمر تثبيت المسار قانونياً.
من هنا، يتحوّل السؤال إلى بُعد سياسي – إجرائي، هل سيُصار إلى عقد جلسة تشريعية قريباً لحسم مسألة اقتراع المغتربين، تأكيد اجراء الانتخابات، ووضع حدّ للالتباس، أم سيبقى الملف في دائرة الانتظار؟ فالرأي الاستشاري، مهما بلغت أهميته، يحتاج إلى ترجمة تشريعية واضحة، لأن انتظام العملية الانتخابية يفترض وضوحاً كاملاً في النصوص قبل الدخول في المهل الدستورية.
قانون الفجوة المالية.. الإصلاح المؤجّل
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال قانون "الفجوة المالية" الذي وُضع في درج المجلس النيابي، رغم كونه أحد المفاتيح الأساسية لمحاولة معالجة الانهيار وتحديد المسؤوليات بين الدولة والمصارف ومصرف لبنان. تعطيل هذا القانون لا يقل خطورة عن أي التباس انتخابي، لأنه يؤجّل مواجهة الحقيقة المالية ويُبقي حقوق المودعين في دائرة الضبابية.
حصر السلاح شمال الليطاني.. اختبار جديد للدولة
وفي موازاة السجال الانتخابي والمالي، يبرز اليوم بند أمني – سيادي لا يقل حساسية، مع استعداد الجيش لعرض خطة حصر السلاح شمال الليطاني أمام مجلس الوزراء. هذه الخطوة، إن نُفّذت، ستثبت قدرة الدولة على بسط سلطتها الكاملة على أراضيها، وترجمة مبدأ احتكار السلاح بيد المؤسسات الشرعية إلى آلية تنفيذية واضحة، لا إلى شعار سياسي.
وتكتسب الخطة بعداً إضافياً كون مسألة تسليم السلاح شمال الليطاني كانت واردة في اتفاق 27 تشرين بين الحزب والدولة، ما يجعل الطرح الحالي امتداداً لمسار سبق أن وُضع على السكة السياسية. كما أنها تُعدّ استكمالاً لعملية حصر السلاح جنوب الليطاني، بما يعني أن المسار المطروح اليوم لا يبدأ من الصفر، بل يأتي ضمن سياق تدريجي لتوسيع نطاق سيطرة الدولة وتعزيز حضور المؤسسة العسكرية.
الخطة المرتقبة لا تنفصل عن المناخ الإقليمي الضاغط، ولا عن النقاش الداخلي حول دور الدولة وموقع القوى المسلحة خارج إطارها. فتنفيذها، أو حتى الموافقة عليها، ينعكس حكماً على المناخ الانتخابي المقبل، باعتبار أن مسألة السلاح غير الشرعي تبقى أحد أبرز عناوين الانقسام الداخلي ومحوراً أساسياً في خطاب معظم القوى السياسية.