الإيجارات القديمة في لبنان.. قانون معلّق وأزمة تتفاقم

WhatsApp-Image-2023-12-27-at-10.38.44-AM-qhf51dzcvzmuh2dug33zhgltpng963uqp2dzpqc0m8

عاد ملف الإيجارات القديمة ليحتل واجهة النقاش في لبنان، ليكشف عن تداخل معقد بين الأبعاد القانونية والاجتماعية والاقتصادية. ففي بلد يعاني أزمات مالية ومعيشية حادة، تواجه الأسر المستأجرة مخاوف مستمرة من الإخلاء، بينما يسعى المالكون إلى تعديل بدلات الإيجار المتراجعة منذ عقود، ما يثير جدلاً حول مدى تطبيق القانون وحماية حقوق الأطراف كافة.

تشير القوانين اللبنانية، وبخاصة قانون الإيجارات، إلى آليات رفع البدلات تدريجياً خلال فترة تمتد بين تسع واثنتي عشرة سنة، مع فرضية وجود صندوق دعم للفئات محدودة الدخل. إلا أن الواقع العملي كان مختلفاً، إذ لم يدخل الصندوق حيّز التنفيذ بسبب مراسيم الموازنة العامة، ما خلق فجوة كبيرة بين النصوص القانونية والتطبيق على الأرض. ويضيف هذا الغموض حول المهل القانونية، ارتباكاً لدى المستأجرين وأصحاب العقارات على حد سواء، خصوصاً في ظل الضغوط المالية الحادة والتضخم المستمر.

ولفت المحامي المختص بالشؤون العقارية، الأستاذ محمد مسعود، إلى أن "القانون يضع إطاراً زمنياً واضحاً لتصحيح البدلات، لكنه لا يضمن التنفيذ الفعلي من دون تفعيل الصندوق الرقابي ومتابعة قضائية دقيقة. وهذا ما يجعل المستأجرين في حالة عدم يقين، ويزيد العبء على المالكين الذين يسعون لتغطية التكاليف التشغيلية والصيانة المتأخرة".

أضاف مسعود: "الأزمة الحالية تتطلب تنسيقاً بين الجهات الرسمية والمستثمرين لضمان حماية حقوق المستأجرين وحق الملكية في الوقت نفسه، خصوصاً أن الإيجارات السكنية والتجارية تتأثر بنفس الضغط الاقتصادي والقانوني".

الأرقام الأخيرة تعكس أثر النزاعات على سوق العقارات: فقد تضرر نحو 162,900 وحدة سكنية جراء النزاعات الأخيرة، بما يعادل 10% من المخزون قبل النزاع، وتقدر الخسائر في قطاع الإسكان بحوالي 4.6 مليار دولار وفق تقرير البنك الدولي 2025. هذا الواقع انعكس على الإيجارات السكنية، وأدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار، فيما يواجه أصحاب المحال التجارية والمكاتب الصغيرة صعوبات في الوفاء بالتزاماتهم المالية بسبب الزيادات المفاجئة في بدلات الإيجار القديمة، ما يهدد استمرار بعض الأعمال ويزيد البطالة الجزئية في الأسواق التقليدية.

تاريخياً، كانت بيروت من بين أغلى المدن في العالم فيما يخص تكلفة السكن، وفق إحصاءات 2024. ويضيف ضعف تطبيق القوانين وتأخر صيانة المباني القديمة عبئاً إضافياً على الملاك والمستأجرين، خصوصاً أن بعض المباني تعاني من تدهور بنيوي واضح. ومن أبرز الأمثلة حادث انهيار مبنى في الأشرفية عام 2012، الذي أسفر عن مقتل 27 شخصاً، ما أعاد التأكيد على ضرورة إصلاح التشريع وتفعيل آليات الدعم والصيانة بشكل عاجل.

على صعيد الإيجارات غير السكنية، يشير المحامي إلى أن "تعديل بدلات المحال التجارية والمكاتب القديمة يجب أن يكون تدريجياً ومدروساً، لتجنب إغلاق المشاريع الصغيرة وفقدان الوظائف، خصوصاً في ظل الركود الاقتصادي وارتفاع التكاليف التشغيلية".

أضاف أن "الحلول الموقتة من دون إشراف قضائي ومتابعة رسمية لن تفضي إلا إلى تفاقم الأزمة، وقد تؤدي إلى نزاعات طويلة بين المستأجرين والمالكين".

في المحصّلة، يبرز ملف الإيجارات القديمة كأزمة مركبة تتطلب حلاً متوازناً بين حقوق المستأجرين وحقوق الملكية، مع ضرورة وجود شبكة أمان للفئات الأكثر هشاشة، لضمان استقرار سوق الإسكان والمحلات التجارية على حد سواء، وتفادي تفاقم النزاعات في العام 2026 وما بعده. فغياب الصندوق الرقابي وعدم وضوح المهل القانونية يفرض على الدولة التحرك العاجل لضمان التوازن بين الأطراف وحماية الاقتصاد الاجتماعي بشكل مستدام.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: