"الإيمان يعيش حيث الناس".. رسالة الأب غييرمي

padre-guilherme-rhcbqzz9u1on4h0k1o63kv8k9okav81asgjv9nhh5s

كتبت جوزفين حبشي عبر مواقع التواصل الإجتماعي: "الكاهن Padre Guilherme المعروف باسم “الكاهن الـ DJ” سيحلّ في بيروت يوم 10 كانون الثاني 2026 لإحياء حفلة موسيقية في… ملهى ليلي. يا للهول ، يا للمصيبة!!!! هذا الإعلان أثار جدلا واسعا في لبنان، إذ اعتبر بعضهم أن اختيار الملهى الليلي مكانا للحفل يتعارض مع القيم الدينية والروحانية.

طيب، من الطبيعي أن يطرح هذا السؤال: هل يمكن للكنيسة أو الكهنوت أن يتواجد في فضاء يرمز عادة إلى الترفيه الليلي؟ لكن قبل إصدار الأحكام، من المهم فهم الخلفية والنية. الأب غييرمي ليس مجرد موسيقي، بل كاهن كاثوليكي برتغالي وجد وسيلة للتواصل مع الشباب عبر الموسيقى الإلكترونية منذ عام 2010، أثناء خدمته كمرشد روحي للجيش البرتغالي، حيث كان ينظّم فعاليات ترفيهية للجنود ويستخدم الموسيقى لنشر الرسائل الروحية بطريقة معاصرة.

الأب لا يرى تناقضا بين كونه كاهنا وموسيقيا. بالنسبة له، الموسيقى هي جسر للوصول إلى من لا يرتادون الكنائس، ونشر قيم الإيمان والفرح والسلام بأسلوب يواكب العصر. اختيار الملهى الليلي، رغم جدليته، يمكن فهمه كمسعى للوصول إلى جمهور مختلف، بعيدا  عن الصيغ التقليدية، دون المساس بالطقوس الدينية أو رموز الإيمان.

الاعتراض على الحفل لم يأتِ من موقف رسمي للكنيسة، بل عبر أفراد نصبوا أنفسهم “حراسا على الإيمان”، وقرروا أن المكان لا يليق بالكهنوت. هذا الموقف يعكس خوفا من الاختلاف ورغبة في فرض نموذج واحد للعبادة والتعبير، بدل أن يطرح تساؤلات حول كيف يمكن للإيمان أن يلتقي بالعالم المعاصر.

جدير بالذكر أن الأب غييرمي لم يلقَ أي اعتراض من الفاتيكان أو السلطات الكنسية العليا على نشاطه الموسيقي، بل على العكس، فقد حظي بدعم رسمي ومتابعة إيجابية. شارك في مناسبات كبرى مثل يوم الشباب العالمي 2023 في لشبونة قبل قداس حضره البابا فرنسيس، وفي أيلول 2025 أُذيعت رسالة مسجلة من البابا تؤيّد الحدث الذي كان Padre Guilherme جزءا منه، ما يؤكد أن الكنيسة تعتبر هذا النهج وسيلة مشروعة للتواصل الروحي مع الشباب.

التاريخ الديني نفسه يثبت أن الموسيقى والغناء كانا دائما جزءا من التجربة الروحية: التراتيل الكنسية، الأناشيد، الأجراس، وحتى الصمت المنغّم كانت أدوات للتعبير الإيماني. الأب غييرمي يواصل هذا التقليد، لكنه بلغة العصر، مزج فيها الإيقاعات الحديثة بالموسيقى الروحية، مع رسالة إنسانية وروحية واضحة.

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان يليق بكاهن أن يكون DJ، بل: من يملك الحق في تحديد “اللياقة” الدينية؟ وهل يجب أن يتجمد الإيمان في أشكال ثابتة وزمن محدد؟ الاعتراض على الحفل في الملهى الليلي يكشف عن هشاشة الفهم التقليدي للدين، وليس عن أي خطر على الروحانية نفسها. الدين القوي قادر على التكيف، على الحوار مع الشباب، وعلى التفاعل مع الواقع من دون الانغلاق على الرموز التقليدية فقط.

باختصار، اختيار الأب غييرمي للموسيقى الإلكترونية والمكان المختلف ليس مساسا بالإيمان، بل محاولة لتجديد التواصل الروحي بلغة العصر، والتأكيد على أن الدين يمكن أن يكون حيا وفاعلا، في أي مكان. الاعتراض على المكان قد يكون منطقيا من زاوية تقليدية، لكنه لا يلغِي جوهر الرسالة الروحية التي يحاول الأب إيصالها: الإيمان لا يعيش إلا حين يلتقي بالناس في حياتهم اليومية، حيث هم، بالطريقة التي يفهمونها ويستجيبون لها".

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: