كتب طوني عطية في صحيفة "نداء الوطن":
ترسم موجة الغارات الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت مناطق شمال الليطاني في الآونة الأخيرة، ملامح سيناريوات خطيرة وواضحة، للمرحلة الثانية من خطة الجيش اللبناني لنزع سلاح "حزب الله". ويشي هذا المنحى التصعيدي وفق مصدر أمني سابق، باحتمال توسع العمليات لتطول العمق اللبناني، لا سيما في الضاحية الجنوبية ومختلف بيئات نفوذ "الممانعة".
ويبدو من سياق الأحداث أن تل أبيب تسعى لفرض "مواكبة جوية" كأمر واقع لمواكبة مهمة الجيش، بل واستباق خطواته ميدانيًا؛ فالمعادلة الإسرائيلية هي، إمّا التعاون الكامل مع الدولة ولجنة "الميكانيزم" وتسليم السلاح، أو تولي الجيش الإسرائيلي المهمة مباشرةً. وفي حال استمرّ "الحزب" في سياسة الاستكبار والغموض بشأن خريطة ترسانته، فإن مشاهد التدمير في قناريت وجرجوع وأنصار والكفور وغيرها، مرشحة للتكرار، ما ينذر بموجة جديدة من التحذيرات والنزوح القسري الذي سيعمق الأزمة الإنسانية والاجتماعية لسكان هذه المناطق.
توازيًا، أشارت المصادر، إلى أن "حزب الله" بدأ تنفيذ خطة "الهروب إلى صدام" مع الدولة اللبنانية، بدلًا من إسرائيل، في تجسيد هزلي للمثل الشعبي "جحا ما بيستقوي إلا على خالته". وقد استبق هذا التحول بتهيئة مناخ سياسي متشنج، برز بوضوح حين نقل أمينه العام، الشيخ نعيم قاسم، مِيدان معركته الخاسرة من الجبهة الجنوبية إلى ما بعد الليطاني؛ إذ سارع إلى وضع إصرار السلطة التنفيذية ورئيس الجمهورية جوزاف عون على حصر السلاح في خانة التماهي مع المشاريع الأميركية والإسرائيلية. بهذا الخطاب، استعاد اللغة التي كان يعتمدها سابقًا تجاه السياديين والمعارضين لمشروعه، لكن هذه المرة لا يبدو أنه سيقدم على مواجهة خصمه الحكومي باستخدام القوة المباشرة أو "كواتم الصوت"، لاعتبارات متعددة لم تعد في صالحه. لذلك، يلجأ "الحزب" المهزوم والهارب من أمام إسرائيل إلى التمترس خلف "الأهالي" واستخدامهم كدروع بشرية لم يبالِ يومًا بمعاناتهم وما تكبدوه من تهجير وتشريد وخسارات جمة في الأرواح والممتلكات.
في السياق، تسعى الميليشيا الانقلابية بدأب، لترسيخ قواعد اشتباك مستحدثة مع الدولة في مناطق شمال الليطاني، عبر استراتيجية "الاستنزاف الناعم" التي تعتمد عمليات الكر والفر بين قاعدته الشعبية والجيش اللبناني، وإغراق القوى الأمنية في دوامة التظاهرات والاحتجاجات الجوالة. يراهن "الحزب" في ذلك على تعقيدات "الجغرافيا البشرية"، بعد أن أخفقت الجغرافيا الطبيعية في حمايته خلال "حرب الإسناد" أمام التفوق الإسرائيلي التكنولوجي - الجوي - الميداني. وهو يدرك أن مهمة القوى العسكرية الشرعية في المربعات المكتظة، كالضاحية وحارة حريك، ستكون محفوفة بالمخاطر والحسابات المعقدة.
وفي محاولة لفرض إرادته، يمارس "الحزب" سياسة "ليّ ذراع" الدولة متسترًا بشعار "السلم الأهلي" كذريعة لتعطيل بسط السيادة، رغم إدراكه العميق بأن الانزلاق إلى هذا المربع قد يرتد عليه "كرصاصة رحمة"، تنهي ما تبقى من مشروعيته المتآكلة. فالمقامرة بالدخول في صدام مباشر مع الجيش اللبناني، أو المجازفة بإشعال فتيل حرب داخلية، تُمثل مغامرة ذات محاذير وجودية وتكلفة سياسية باهظة، في وقتٍ لم يعد فيه قادرًا على تحمل فواتير حروبه الفاشلة والانهزامية.
يأتي ضعفه هذا، في ظل المعطيات الإقليمية والدولية التي قلبت المنطقة رأسًا على عقب، وأصبحت في الاتجاه المعاكس تمامًا لمحور "الممانعة"؛ إذ فقد "حزب الله" حلفاءه من مسيحيين وسنّة ودروز، حتى حليفه الشيعي الأساسي، حركة "أمل"، لا يبدو في وارد الانزلاق معه، خصوصًا بعد تصاعد الاحتكاكات الميدانية بين عناصر الطرفين في بلدات جنوبية عدة، وقد تجلى هذا التباعد في استحضار مؤيدي الحركة، والرافضين لاستمرار استنزاف بلداتهم، المقولة الشهيرة لأحد أبرز قيادات "أمل" الذي سقط خلال الحرب بينها وبين "الحزب" منتصف الثمانينات، داود داود: "فلتحترق إيران ويبقى الجنوب". أضف إلى ذلك، سقوط سنده الاستراتيجي وخط إمداده الأساسي في سوريا، فضلًا عن انغماس "حكم الملالي" في مشكلات داخلية وسط تلويح أميركي إسرائيلي بضربة قاصمة تهدد بقاء النظام. كل هذه العوامل تدفع إلى التفكير مليًا قبل الإقدام على خطوة قد تكون الأخيرة في مسار انتحاره السياسي والعسكري.