الجمعة العظيمة في لبنان: عهد يُولد من الألم

47

كتبت ميشيلا رزق في موقع The Beiruter:  

في لبنان، لا تمرّ الجمعة العظيمة كأيّ يوم.

من صمت الكنائس الثقيلة، إلى أصوات الترانيم التي تلامس وجعًا مألوفًا، ومن المواكب التي تعبر الشوارع، إلى صليب يُحمل على الأكتاف… يعود مشهد الآلام كل عام، لكنّه هنا يكتسب معنى مختلفًا.

هنا، لا يُروى الألم فقط، بل يُعاش.

في بلدٍ اعتاد الأزمات والانكسارات، تتحوّل الجمعة العظيمة إلى أكثر من طقس، إلى مرآة مفتوحة على واقعٍ يومي، يمتزج فيه الإيمان بالوجع، والتقليد بالهوية، والرجاء بحياة لا تتوقف رغم كل شيء.

بين الماضي واليوم

يشير الأب روي عبدالله، وهو راهب ماروني مريمي، في مقابلة حصريّة مع موقع The Beiruter، إلى أنّ التقاليد "لم تتغيّر كثيرًا"، لكنها كانت في السابق أكثر تقشّفًا، مع صوم صارم، وحضور يومي، ومشاركة أعمق في الطقوس والرتب والألحان الخاصة بأسبوع الآلام استعدادًا ليوم الجمعة العظيمة. كما كانت تُقام مواكب ومسيرات في القرى، ولا تزال بعض المناطق تحافظ عليها حتى اليوم.

أما اليوم، فرغم استمرار هذه الطقوس، من درب الصليب إلى الصلوات والعظات والمواكب، إلا أنّها باتت أقل صرامة لدى بعض الناس، مع تأثير واضح للعوامل الاجتماعية والثقافية على طبيعة المشاركة. ومع ذلك، لا تزال بعض المناطق تحافظ على التمثيل الحي لمسيرة الجلجلة، حيث يُحمل الصليب في الشوارع في مشهد يجمع بين الإيمان والتعبير الشعبي.

وعن تفاعل الأجيال الشابة، يرى الأب عبدالله " الشباب يشاركون في المواكب والأنشطة والصلوات، أحيانًا بشكل تنظيمي أو تطوعي، لكن الالتزام بالصوم، والحضور اليومي وفهم عمق المعاني الجوهرية لأحداث الجمعة العظيمة أصبح أقل من السابق لتغير إهتمامات الشباب وعدم فهمهم للصلوات مع انفتاحهم على ثقافات ولغات عالمية وخوضهم لنمط حياة السرعة وقلة التركيز وإهمال البحث في الأمور الدينية". ومع ذلك، يؤكد أنّ هذا لا يلغي حضورهم، بل يعيد تشكيله، إذ يعبّر كثيرون عن إيمانهم بطرق جديدة، خصوصًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يجعل المشاركة موجودة ولكن أقل تقليدية.

طقس واحد… وجوه متعددة

لكن هذه الطقوس، رغم ثباتها، لا تُعاش بالشكل نفسه في كل مكان.

ويتميّز لبنان، بحسب الأب عبدالله، بخصوصية فريدة في إحياء هذا اليوم، حيث يتعايش الكاثوليك والأرثوذكس ضمن مجتمع واحد، وتختلط الطقوس والتقاليد في مشهد غنيّ ومتداخل. وتبرز المواكب الشعبية الكبيرة في القرى والمدن، إلى جانب المشاهد التمثيلية الحيّة لآلام المسيح، فيما يحضر أيضًا البعد العائلي والاجتماعي بقوة، من خلال التجمعات وتحضير المأكولات وتوزيع الحلويات في الكنائس والساحات، وحتى على الطرقات في بعض الأحيان.

ويضيف أنّ "هذا التفاعل بين الطوائف يمنح لبنان طابعًا مميزًا، حيث قد تتوحّد الأعياد أو الزياحات في بعض المناطق، في صورة تعبّر عن المحبة والحوار والوحدة".

وفي ظلّ الأزمات التي يمرّ بها لبنان، يلفت الأب عبدالله إلى أنّ "الجمعة العظيمة تحمل رسالة عميقة، إذ تعبّر عن الصبر في وجه الألم، والرجاء الذي يتخطّى المعاناة. فهي ليست نهاية، بل بداية جديدة، ورسالة أمل في واقع اقتصادي وسياسي صعب، حيث تتحوّل المعاناة إلى مدخل للقيامة".

أما عن الاختلاف بين الكنائس، فيوضح أنّ الفارق في موعد الفصح بين الكاثوليك والأرثوذكس يعود إلى اختلاف التقويم المعتمد، بين الغريغوري واليولياني، ما يؤدي إلى اختلاف في احتساب الاعتدال الربيعي والبدر، وبالتالي في تحديد تاريخ العيد. ورغم ذلك، يشير إلى وجود دعوات وجهود مستمرة لتوحيد موعد الفصح، وقد شهدت بعض السنوات والمناطق مبادرات ناجحة في هذا الاتجاه، تبقى تعبيرًا عن السعي إلى الوحدة في الإيمان.

من لبنان إلى الانتشار

يؤكّد الوكيل البطريركيّ للكنيسة المارونيّة في الأردن، الخوري جوزف سويد، لِموقع The Beiruter، أنّ "تقاليد الجمعة العظيمة هي نفسها في لبنان وفي الانتشار، خصوصًا في الكنيسة المارونية"، مشيرًا إلى أنّ هذا اليوم لا يرتبط بعادات اجتماعية، بل يقتصر على الرتب والصلاة.

وفي الأردن، تُقام نفس الرتب، لكن مع إضافة طابع حيّ، حيث تُنظَّم مسيرات درب الصليب في الشوارع، ويشارك فيها الشبيبة بلباس الجنود وشخصيات من زمن المسيح، في مشهد تمثيلي يهدف إلى جعل الناس تعيش الحدث. ويشير إلى أنّه يحرص على تقديم هذه الطقوس بأسلوب "أكتر ممسرح".

كما يلفت إلى دور الترانيم في هذه التجربة، معتبرًا أنّها "بتحرّك أوتار القلب"، في تعبير عن تأثيرها العاطفي والروحي العميق.

بين الألم والخلاص

يقدّم الأب سويد قراءة روحية ولاهوتية لمعنى هذا اليوم، موضحًا أنّ الجمعة العظيمة سُمّيت كذلك "ليس لأنها عظيمة بحد ذاتها، بل لأن الحبّ والدم الذي سُفك على الصليب من العظيم القدّوس هو الذي جعلها عظيمة"، مضيفًا أنّ هذا اليوم يكشف عن حبّ لا يمكن شرحه بالكلمات، حبّ يصل "لآخر نقطة دم، لآخر دقة قلب، لآخر نفس".

في الكنيسة المارونية، يُحتفل بهذا اليوم من خلال رتبة القدايس السابق تقديسه، حيث يُستكمل القربان من خميس الأسرار، ويتمّ تناوله يوم الجمعة. وبعد الساعة التاسعة صباحًا، لا يبقى قربان في الكنيسة، في تعبير عن اختبار غياب المسيح عن الساحة.

وتتلو الكنيسة في هذا اليوم نصًّا آلام المسيح من إنجيل يوحنا وهي دعوة للتأمل في آلام المسيح، من إكليل الشوك إلى آثار المسامير، وصولًا إلى الجسد المخزّق بالكامل.

ويضع الأب سويد هذا الحدث ضمن سياق الخلاص، بدءًا من سقوط آدم وحواء ودخول الموت إلى العالم، وصولًا إلى تحقيق الوعد الإلهي بالخلاص. ويرى في طعن جنب يسوع لحظة مفصلية، إذ خرج دم وماء كعلامة حياة، معتبرًا أنّ "صرنا نعرف وين الباب، والباب هو الجنب المطعون، والمفتاح هو الرمح".  ويربط ذلك بصورة رمزية بين ملاك حراسة باب الجنة في سفر التكوين والجندي لونجين، وكأنّ باب الجنة أُغلق في البداية ثم فُتح من جديد عبر قلب المسيح.

كما يشرح رمزية الأيام الثلاثة، موضحًا كيف تُحتسب زمنيًا من لحظة الموت إلى القيامة، حيث تنفتح القبور ويقوم الراقدون، في تعبير عن انتصار الحياة على الموت.

وفي ظلّ الأزمات، يرى الأب سويد أنّ الجمعة العظيمة تدعو إلى العودة إلى جوهر الإيمان، حيث يصبح الصليب، الذي كان رمزًا للألم، رمزًا للخلاص والانتصار، حاضرًا في حياة الناس اليومية. ويؤكد أنّ المؤمن مدعو إلى معانقته، لأنّه "أداة الخلاص وجسر العبور إلى الحياة الأبدية".

ويختم بصورة رمزية لافتة، معتبرًا أنّ هناك ما يشبه "علاقة عشق" بين المسيح والخشبة، وكأنّ أداة الألم نفسها تحوّلت إلى مفتاح للخلاص، مضيفًا: "عظيم إيماننا لازم يكون بيسوع المسيح، متل ما كان عظيم عشقه لإلنا".

تحمل الجمعة العظيمة ثقل الألم، لكنها لا تنتهي عنده، لأن في كل صليب وعدًا بالقيامة.

وفي بلدٍ يعيش هذا الألم كل يوم، لم تعد الجمعة العظيمة مجرّد ذكرى، بل تُعاش… كدليلٍ على أن المسيحيين في لبنان والمشرق لا يزالون متمسّكين بعهدهم، ويحيون إيمانهم، رغم كل شيء.  

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: