"الشيطان يكمن بالتفاصيل".. أبو صعب: المنطقة في الزروة الديبلوماسية

georges

كتب الكاتب والمحلل الجيوسياسي جورج أبو صعب على حسابه عبر منصة "إكس": "تشهد المنطقة، من الخليج إلى لبنان، سباقاً محموماً بين الديبلوماسية والحرب، إذ إن التوجه العام لدى دول المنطقة يميل نحو تجنّب الحرب واعتماد الحلول الديبلوماسية، وسط انقسام بين من لا يثق بالنظام الإيراني مهما قدّم من تعهدات، وبين من لا يزال يراهن، حتى الرمق الأخير، على إمكان التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين.

فالنظام الإيراني يمارس لعبته المفضلة في التفاوض، بين المماطلة وتقنية تبادل الاقتراحات والاقتراحات المضادة، فيما يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي تنقسم إدارته بين صقور وحمائم، إلى منح كل الفرص الممكنة لمسايرة حلفائه الإقليميين، باستثناء إسرائيل".

أضاف: "في المقابل، يمارس الجانب الأميركي الضغط عبر سياسة العصا والجزرة، فالضغط العسكري على إيران قائم، والاتصالات بين ترامب وبنيامين نتنياهو لا تنقطع، في رسائل واضحة تُبعث إلى طهران، فيما يواصل الرئيس الأميركي إطلاق تصريحات متفائلة، وأحياناً مبالغ فيها بالتفاؤل.

وفي هذا السياق، يوجّه المرشد مجتبى خامنئي برفض نقل اليورانيوم المخصّب إلى الخارج، بينما يعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تحقيق بعض التقدم في المفاوضات، ما يعني أن الإيراني لا يزال متشدداً في الملف النووي الذي يشكّل أولوية لواشنطن، فيما تبقى المباحثات حول سائر الملفات قابلة للأخذ والرد من الجانب الإيراني".

وأشار إلى أن "خلف التصريحات المتشددة من الجانبين الأميركي والإيراني، يجري عمل دبلوماسي ضخم للوصول إلى اتفاق يقوم على خطوط توافق عريضة، بجهود كبيرة من الوسطاء الباكستاني والسعودي والمصري والقطري، الأمر الذي يطرح إشكاليات مستقبلية في التفاصيل، ما لم تكن هناك خطة تنفيذية مبرمجة لخطوات إيرانية تخضع للرقابة والعقوبات والضمانات.

أما مضيق هرمز، فيواجه إجماعاً إقليمياً ودولياً رافضاً لأي رسوم إيرانية على الملاحة فيه".

أضاف: "يبقى أن عدم التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي الإيراني كفيل بنسف سائر القضايا التي يمكن الاتفاق عليها، وبالتالي إسقاط أي أمل باتفاق شامل، إذ إن الملف النووي، كما يشكّل جوكر النظام الإيراني، يبقى أيضاً في صدارة أولويات واشنطن وعواصم المنطقة، ومن هنا يبدأ الحل أو الفشل.

فأي اتفاق لن يتناول فقط مصير الـ450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب، بل أيضاً مسألة الإيقاف الكلي أو الجزئي للبرنامج النووي، وتحديد أي المفاعلات ستبقى وأيها سيُزال، ومن سيراقب، ومن سيدخل إلى إيران، ووفق أي ضمانات، وما هو مستوى التخصيب المسموح به. كلها تفاصيل يكمن فيها الشيطان".

وكشف عن أن "إذا حصلت إيران على رفع للعقوبات مقابل تجميد مؤقت للتخصيب، فمن يمكنه الوثوق بالنظام، وكيف يمكن ضمان التزامه؟ لا سيما أنه أثبت قدرته على الاستمرار بالتخصيب المقنّع أو المخفي عن أعين العالم تحت الأرض، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزامه بأي اتفاق جديد، خصوصاً أنه احتفل عام 2015 بما اعتبره تثبيتاً لحقه في التخصيب مستقبلاً، في إشارة واضحة إلى صعوبة تخليه عن هذا المسار.

وتبقى المعضلة الأخرى في السؤال حول من يحكم فعلياً في إيران اليوم، ومن يملك تفويضاً من القوى المتناقضة والمؤثرة داخل النظام للتوقيع والالتزام وتحمل المسؤولية".

وتابع: "حتى الآن، تراجع النظام الإيراني عن المطالبة بتعويضات، واستبدلها بطلب تسهيلات، كما تراجع عن مطلبه بتسيّد مضيق هرمز، مستبدلاً ذلك بترتيبات أمنية من دون فرض رسوم عبور.

فالبنود الخمسة التي كان الجانب الإيراني قد طرحها سابقاً اتسمت بتشدد كبير، من المطالبة بتعويضات، إلى فرض سيادته على هرمز وسواها، لكنه عاد وتراجع عن بعضها، وانتقل من الرفض المطلق لمناقشة الملف النووي باعتباره شأناً سيادياً، إلى القبول بتجميد التخصيب لسنوات، بل وصل إلى حد استبدال مطلب إلغاء العقوبات بطلب تعليقها فقط".

ولفت إلى أن "لقد تهدّم سور القلعة، وباتت قلعة النظام مكشوفة، وأي عودة إلى الحرب ستعني استكمال استهداف قطاع الطاقة والبنى التحتية النفطية والطاقوية في إيران، وضرب مقدراتها الاقتصادية، بما يحرم أكثر من جيل إيراني من أي فرصة للتنمية. وحتى لو توفرت الأموال لإعادة الإعمار، فمن غير المتصور أن تتم عملية البناء قبل عقدين على الأقل.

ولذلك، يدرك النظام الإيراني حجم الكوارث التي قد تحل به وبإيران، ومن هنا بدأت تراجعاته، ملفاً بعد ملف، وهو ما تعكسه المواقف التي تتحدث عن إيجابيات وتقدم في المفاوضات، ولا سيما من الجانبين الأميركي والباكستاني.

لكن، رغم كل ذلك، لا شيء يضمن ألا نكون أمام مرحلة كرّ وفرّ في التفاوض، أو أمام جولة تفاوضية عابرة لا أكثر".

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: