“الفكرة الوطنية” في زمن لبناني بلا أفكار

من

احمد عياش

إذا قيض للبنان ان ينتخب رئيسا للجمهورية يسبقه هاجس “الفكرة الوطنية”، سيمثل ذلك تطورا جديدا في تاريخ هذا البلد. ومن يتابع المشهد السياسي في الوقت الحاضر، يتبيّن له ان الحديث عن الأفكار بمثابة العملة النادرة إن لم نقل انه من طينة “الترف” في التنظير. والسبب ان الصخب المدوي الذي يصم الاذان ويشتت العقول، لا يفسح المجال لهذا النوع من النظر. ولنا أكثر من شاهد في مرحلة الفراغ الرئاسي الذي بدأ في نهاية تشرين الأول 2022 ولا يزال.

من يقرأ ما نشره أخيرا الوزير السابق الوزير إبراهيم حنا الضاهر، يدرك عما يريد كاتب هذه السطور ان يسعى وراءه. لكن قبل ذلك، لا بد من الإشارة الى ان الضاهر، صاحب الخبرة الوافية، عرفناه لبضعة أشهر وزير دولة لشؤون التنمية الإدارية في حكومة الرئيس عمر كرامي في سنة 2004. ومن عاش تلك المرحلة ووعاها، يدرك أي زمن مرّ على لبنان الذي ما زال يحكم باثاره حاضر لبنان ومستقبله.

كتب الضاهر يقول: “حان الوقت أخيرًا لتحديد هذه الفكرة الوطنية التي تسبق أي “وجود” وطني”. ما يلفت في هذه العبارة كلمة “وجود” والتي وردت في مقال الوزير السابق محاطة بمزدوجين. فهل هناك من هدف لهذه الإحاطة؟

لعله من المهم ان تتم الإضاءة على “الفكرة الوطنية” التي يجب ان “تسبق أي “وجود” وطني”. وهنا لا بد من سؤال يجب طرحه الان على مقال الوزير السابق: هل تعتقد أنك فيما تطرحه على هذا الصعيد، هو البداية المطلوبة للصعود الى منصة الترشح لمنصب رئاسة جمهورية لبنان، إذا كان لديك العزم على ذلك؟

على ما يبدو على الأقل أنك جاد فيما ذهبت اليه في مقالك لناحية التركيز على أولوية سبر اغوار ما يجب ان تكون عليه “الفكرة الوطنية” قبل الغوص في معترك الصراع على مستوياته كافة. ولا داعي هنا للكلام كثيرا عن هذا الصراع الذي يحيط باللبنانيين بدءا من ازمة سياسية واقتصادية وصولا الى ازمة امنية تشتعل جنوبا.

لا بد من المصارحة. هناك قلة تتمثل بنخب قادرة على التماسك كي تمضي قدما في مناقشة الأفكار الواردة في مقال الضاهر. فهل هذا هو المقصود من وراء ما كتبه؟ ان الكلام عن انتخابات رئاسة الجمهورية لا بد ان يقود الى توسيع دائرة الاهتمام كي تشمل قدر المستطاع عقول اللبنانيين بمن فيهم هؤلاء الذي غرقوا في هاوية الانهيار الذي أصاب وطنهم في الأعوام الأخيرة.

ربما يكون هناك ظلم قد لحق بمقال الضاهر الذي حمل عنوان “اختيار مشروع وطني”، والذي هو في اعتقادي يمثل قيمة فكرية لا تنال منها ضغوط الحاضر. وهنا شدّني ما ذهب اليه الضاهر من “مقارنة” وقوله “إن إنشاء الدول مماثل في القانون إلى إنشاء الشركات التجارية”. ويمتلك صاحب هذه “المقارنة” من خبرة وعلم ما يعطيه القدرة على طرح ما هو مشترك بين أسس الدول والشركات. وهو بما أورده على هذا الصعيد، ادخل في البحث السياسي ما هو أعمق من الكلام المألوف عن “الشراكة الوطنية”.

ما ورد من أفكار في المقال أيضا، ما يحتاج الى مناقشة يقوم بها خبراء في الدستور والقوانين من اجل اسقاطها على مسيرة هذا الكيان الذي تبلور عام 1920 ولا يزال يعيش بعد أكثر من قرن مخاض الولادة. وإذا جاز لهذا المقال الذي يتضمن رد فعل ما كتبه الضاهر ان يعيد كلام الأخير فهو في الاتي:” في الوقت الحاضر، ليس وجود الدول حقًا مكتسبًا، بل هو حق يتحقق من خلال إظهار الإسهام الثقافي والاجتماعي والاقتصادي. الأمثلة على الشعوب التي يُرفض لها أي اعتراف وطني لا تنقطع…تعتمد شروط بقاء الدول الآن على مدى الصلابة والاتساق والتماسك الوطني”، انتهى الاقتباس.

هل من الجائز وضع عنوان “الفكرة الوطنية في زمن لبناني بلا أفكار” لمقاربة مقال الضاهر؟ الجواب هو نعم. لكن في الوقت نفسه، لا يعني اننا وصلنا الى نهاية المطاف مع “الفكرة الوطنية” الذي نقرأها للمرة الأولى ضمن أفكار السياسي المثقف. فما كتبه الضاهر هو بداية لما يجب ان يليه. والمطلوب بعدما حدد الأخير الإطار الذي يراه لهذه الفكرة الذهاب الى توسيع المناقشة الوطنية لها. فهو قال:”ان الخيارات المتاحة لنا لأي مشروع، وقد حدد الخيارات بأربع حصراً تتمتع بكامل مقومات الأوطان من المشروع المدني الشبه علماني مع ايحائه الغربي إلى المشروع الطوائفي المبني على مكونات مذهبية مروراً بمشروع دولة الأقليات ويعبر عن انتماؤه الشخصي إلى المشروع الذي تم التلميح له من قبل آباء استقلال لبنان، يجمع بين العملية والتاريخ ويستهدف مشروعًا كبيرًا ثقافيًا لتغذية الاختلافات والتفاعل الإسلامي المسيحي. وهكذا، في بيئة عربية، تتكون أغلبها من السنة، تتعايش الأقليات، بما في ذلك الطوائف المارونية، مع المسلمين نموذجًا ثقافيًا للانفتاح والتعاون بين الشرق والغرب. مدعومًا من الأقطاب العربية، يمثل هذا النموذج نموذجًا لدولة لبنانية عربية مفتوحة على العالم الخارجي وثنائية الثقافة”.

الاقتباس الأخير، وضع الضاهر في مسار يجب ان يمضي عليه كي ينفتح على اللبنانيين قاطبة ليقول لهم ما العمل كي يخرج لبنان عمليا من قعر الهاوية اليوم.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: