كتبت عميدة كلية عدنان قصار لإدارة الأعمال في الجامعة اللبنانية الأميركية الدكتورة ديما جمالي:
ثمّة نوعٌ خاصٌ من الوضوح يأتي حين تعيش في قلب الاضطراب.
لا أعني ذلك الاضطراب الذي يظهر في دراسات الحالة التي تُدرَّس في الجامعات — ذلك الذي يتكشّف بهدوء على مدى فصل دراسي، وينتهي بحلٍّ مُرتَّب في الصفحة الأخيرة. أعني الاضطراب الحقيقي: الذي يأتي بغير موعد، ويُعيد تشكيل كل شيء بين ليلة وضحاها، ويطالبك بالقيادة على الرغم من كل شيء.
لطالما تساءلنا نحن المعلمين عمّا ينبغي أن يتضمّنه المنهج الدراسي في كليات الأعمال. هل ندرّس التمويل قبل الاستراتيجية؟ هل تستحق الذكاء الاصطناعي مساقاً مستقلاً أم ندمجها في كل شيء؟ هذه تساؤلات مشروعة، غير أن ثمة سؤالاً أكثر إلحاحاً تفرضه علينا الأوقات العصيبة: هل نُعدّ قادة قادرين على العمل — بل على الازدهار — حين تهتزّ الأرض من تحت أقدامهم؟
أعتقد أن هذا هو التحدي المحوري الذي يواجه التعليم الإداري اليوم.
الخارطة القديمة لم تعد كافية
لعقودٍ طويلة، برعت كليات إدارة الأعمال في تأهيل الطلاب للعمل في بيئات مستقرة نسبياً. علّمناهم التحسين والتخطيط والتنبؤ. وتظل هذه المهارات قيّمة لا شك. لكن التحسين يفترض وجود نظام مستقر، والتنبؤ يفترض مستقبلاً يشبه الماضي.
أما قادة اليوم فيحتاجون إلى شيء مختلف: القدرة على اتخاذ قرارات سليمة في ظل معلومات ناقصة، والمحافظة على رؤية بعيدة المدى في خضم الفوضى الآنية، واستدامة ثقة فريقهم حين تغيب اليقينية.
هذه ليست مهاراتٍ ناعمة. إنها مهاراتُ بقاء.
ما الذي يجب أن نُعلّمه؟
في كلية عدنان قصار لإدارة الأعمال، نعمل على تضمين ثلاثة مبادئ جوهرية في منهجية تطوير جيل القادة القادم:
١. التفكير التكيّفي في مواجهة التخطيط الجامد
القدرة على التحوّل — بتأنٍّ لا باندفاع — باتت كفاءةً أساسية. نصمّم تجارب تعليمية تضع الطلاب في سيناريوهات غامضة وعالية الضغط، ونسألهم ليس فقط عمّا سيفعلون، بل كيف سيقودون الآخرين في خضمّها.
٢. الغاية بوصلةً للقيادة
القادة الذين تُرسّخهم غايةٌ واضحة يتخذون قرارات أفضل تحت الضغط — ليس لأنهم يملكون كل الإجابات، بل لأنهم يعرفون إلى أين يسيرون في نهاية المطاف. الغاية ليست بياناً تسويقياً. إنها أداةٌ للملاحة.
٣. المسؤولية التي تتعمّق في الأوقات الصعبة
في السياقات التي تعاني فيها المؤسسات من الإرهاق والضغط، تحمل الشركات مسؤوليةً أثقل. على طلابنا أن يفهموا أن المسؤولية المؤسسية ليست التزاماً في أيام الرخاء فحسب — بل تتعمّق تحديداً حين تزداد الظروف قسوةً.
الميزة اللبنانية
ثمة شيءٌ آمنت به دائماً، ورأيت تأكيده مرات ومرات على مدى مسيرتي: المحنة، حين تُقابَل بالعقلية الصحيحة، تُنتج قادةً استثنائيين.
لبنان أعطى العالم رجال أعمال ومبتكرين ومديرين تنفيذيين يعملون بكفاءة في ظروف كانت ستُشلّ غيرهم. وهذا ليس على الرغم من تاريخنا — بل هو جزءٌ منه.
في كلية عدنان قصار، لا نتجاهل هذه الحقيقة. بل نبني عليها. نتّخذ منها أداةً تربوية. لأنه إن كان خريجونا قادرين على القيادة هنا، فهم قادرون على القيادة في أي مكان.
العالم لا يحتاج إلى مزيد من المديرين الذين يُبلّون حسناً فقط حين تسود الأحوال الملائمة. يحتاج إلى قادة ينهضون تحديداً حين تكون الظروف في أصعب حالاتها.
هذا ما نحن هنا لبنائه.
