قبل اندلاع الحرب الأخيرة، كان النفوذ الإيراني في لبنان يمتد جغرافيًا حتى تخوم الحدود الجنوبيّة مع إسرائيل. غير أن مآلات المواجهة الأخيرة، وما انتهت إليه من هزيمة مُني بها "حزب الله"، فرضت واقعًا جديدًا على هذا النفوذ. واقعًا اضطرت طهران إلى التعامل معه بقدر من البراغماتيّة السياسيّة.
فقد قبل الإيراني بتقليص مساحة نفوذه، متراجعًا إلى شمال نهر الليطاني، معتبرًا أن الانسحاب من جنوبه هو كلفة لا مفرّ منها للخسارة العسكريّة.
في المقابل، يرفض الإيراني أيّ مساس بنفوذه شمال الليطاني، حيث يسعى، منذ انتهاء الحرب، إلى تكريس معادلة جديدة تقوم على رسم خط نفوذ فاصل في لبنان: جنوب الليطاني منطقة نفوذ إسرائيلي، وشماله مساحة نفوذ إيراني. في محاولة لإنتاج خط نفوذ شبيه بـ "خط نهر الأولي" الذي شكّل في السابق حدًّا لتقاسم النفوذ بين إسرائيل وحافظ الأسد.
يقابَل هذا المسار الإيراني برفضٍ لبناني للتسليم ببقاء السلاح بيد "حزب الله"، وبالتالي وجود لبنان ضمن دائرة النفوذ الإيراني. وهو موقف لم تولّده الحرب الأخيرة، بل سبقها، وبقي ثابتًا بعدها، باعتباره تعبيرًا عن موقف سيادي يتجاوز لحظة الهزيمة العسكريّة التي مُني بها "الحزب".
وفي هذا الإطار، لم تكن رسالة الطمأنة التي أرسلها الشيخ نعيم قاسم إلى سكان شمال إسرائيل، مجرد خطاب تهدئة، بل تعبيرًا واضحًا عن هذه المعادلة الجديدة، وجزءًا من محاولة إيرانيّة لتقديم "مغريات" سياسيّة وأمنيّة للإسرائيلي، في مسعى لانتزاع قبولٍ بخريطة النفوذ التي تسعى إيران إلى تثبيتها، وتتشارك فيها مع اسرائيل، على حساب المصلحة الوطنية اللبنانية.
غير أن محاولة إيران استدراج إسرائيل إلى القبول بخريطة النفوذ الجديدة لا تجد آذانًا صاغية في تل أبيب. فالحرب الأخيرة أحدثت تحوّلًا جذريًا في الموقف الإسرائيلي، ومعه الأميركي، حيال ملف سلاح "حزب الله" والنفوذ الإيراني في لبنان. وهو تحوّلٌ لم يعد يكتفي بلغة البيانات الرسمية أو التصريحات السياسية، بل انتقل إلى مستوى الفعل المباشر.
بات هذا الموقف يُترجم بعمليات عسكرية متواصلة تستهدف ما تبقى من ترسانة "حزب الله"، بوصفها المدخل العملي لإنهاء النفوذ الإيراني في لبنان. فلم تعد المسألة موضع تفاوض على خطوط نفوذ أو إعادة رسم حدود السيطرة، بل أضحت جزءًا من استراتيجيّة تسعى إلى كسر هذه المعادلة من أساسها لا إعادة تشكيلها.
كما إن هذه الاستراتيجيّة لم تعد محصورة باستهدافات يوميّة محدودة، ولا بمجرّد تحذيرات من تصعيد عسكري إسرائيلي للقضاء على ما تبقى من منظومة عسكريّة ونفوذ إيراني في لبنان، بل باتت تمتد لتطول بنية النظام الإيراني نفسه، الذي يقف في موقع المترقب لضربة عسكريّة أميركيّة قد تُطيح بنظام الملالي.
في الخلاصة، يصرّ "حزب الله" على مقاربة لبنان بوصفه ساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ وتبادل المصالح. في هذا السياق، لا يمانع في تقاسم النفوذ مع إسرائيل وفق خطوط اشتباك مضبوطة، بقدر ما يرفض أيّ شكل من أشكال التسليم بلبنان وطنًا له مصالحه التي يفترض أن تتقدّم على أيّ مشاريع أو ارتباطات أخرى. وأتى موقف الشيخ نعيم قاسم الأخير، لجهة فتح جبهة لبنان دفاعًا عن ولاية الفقيه، ليؤكد هذا المسار، ويضعه في سياقه السياسي الواضح: لا وجود للمصلحة اللبنانية في حسابات "حزب الله"، ولا قيمة لشيعة لبنان خارج إطار خدمة النفوذ الإيراني والموت دفاعًا عن علي خامنئي.