أثارت التصريحات الأخيرة للأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، موجة من التأويلات السياسية. فالكلام، وفق مصادر سياسية متابعة، يدور حول مبدأ أساسي في بناء الدول: ماذا تفعل الدولة عندما يصدر تهديد صريح عن طرف خارج عن القانون؟ وهل يجوز التعامل مع هذا النوع من الخطاب بمنطق المسايرة، أو التبرير، أو الاستثناء، أم يجب تسميته بما هو عليه، ومواجهته كخرق واضح لسيادة الدولة ودستورها؟
من هذا المنطلق، تكمن المشكلة في مسؤولية السلطة التنفيذية، التي يُفترض بها أن تحدد بوضوح ما يجب فعله عندما يخرج خطاب من هذا النوع إلى العلن.
وتؤكد المصادر نفسها أن الإشكالية ليست عسكرية، ولا تتعلّق بأداء الجيش اللبناني أو سرعة تحرّكه. فالجيش، كما هو معلوم، يقوم بما يستطيع ضمن الإمكانات المتوافرة له، ولا يمكن تحميله وزر قرارات لم تُتخذ سياسيًا. جوهر القضية سياسي بامتياز، ويتمثل في غياب قرار واضح وحاسم بشأن كيفية التعامل مع تنظيم مسلح خارج إطار الدولة.
وعندما يصدر تصريح علني بالحدّة التي شهدناها، يصبح من واجب الحكومة التحرّك فورًا، ولو أن الأمر معقّد وحساس. صحيح أن اتخاذ قرار من هذا النوع ليس سهلًا، لكن الصعوبة لا تعفي من المسؤولية. فالدولة تملك أدوات سياسية وقانونية واضحة: يمكنها إبلاغ المعنيين بأن هذا النوع من الكلام مرفوض، ولن يُسمح بتكراره، لأنه يشكّل خرقًا للدستور، وتجاوزًا لسلطة مجلس الوزراء، وللبيان الوزاري، ولموقع رئاسة الجمهورية نفسها.
كما يمكن، بل يجب، تفعيل دور القضاء المختص، لأن ما صدر ليس موقفًا سياسيًا عاديًا، بل فعل يستوجب الملاحقة والمساءلة وفق القوانين المرعية. خارج هذا الإطار، لا خيارات كثيرة متاحة، ولا حلول سحرية يمكن الاتكاء عليها.
من هنا، ترى هذه المصادر أن بناء الدولة لا يمكن أن يتحقق إذا بقي الجيش وحده في الواجهة، من دون غطاء سياسي واضح وحاسم. فالدول لا تُبنى بالقوة العسكرية وحدها، بل بالقرار السياسي أولًا، وبوضوح المعايير، وبالقدرة على تسمية الأمور بأسمائها، من دون خوف أو مواربة.