حين تعكس السياسات اليأس: العنف البنيوي والكلفة النفسية للحوكمة الاقتصادية

Suicide

كتبت مديرة مركز Restart سوزان جبور

في الأشهر الأخيرة، شهد لبنان تزايداً مقلقاً في حالات الانتحار، ولا سيما بين الشباب من الرجال. كل حالة هي مأساة إنسانية فردية. غير أنّ تكرار هذه الوقائع يحوّلها من أحداث معزولة إلى مؤشرات اجتماعية تعكس اختلالاً أعمق في البنية المحيطة بحياة الناس.

بصفتي اختصاصية في الصحة النفسية ومدافعة عن حقوق الإنسان، أؤكد أن الانتحار لا يُختزل بسبب واحد. إنه ظاهرة معقّدة تنشأ من تفاعل هشاشة نفسية فردية مع ضغوط اجتماعية وشعور بفقدان الأفق المستقبلي. إلا أنّ الحالات النفسية لا تتكوّن في فراغ؛ بل تتأثر بالظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يعيش فيها الأفراد.

عندما يعيش الإنسان في حالة احتجاز نفسي طويل الأمد — نتيجة عدم الاستقرار الاقتصادي، وتراكم الديون، والبطالة، وتآكل المدّخرات، وانعدام فرص التقدّم — تتصاعد أنماط نفسية معروفة علمياً، منها:

      •     تضييق الأفق الفكري

      •     تنامي مشاعر اليأس

      •     فقدان الإحساس بالقدرة على التأثير في المصير

      •     شعور بالخجل المرتبط بالعجز المالي

      •     انهيار القدرة على تخيّل المستقبل

تشير الأدبيات النفسية إلى أن الشعور بالحصار وفقدان الأمل من أبرز العوامل المرتبطة بتصاعد الخطورة الانتحارية. عندما يشعر الإنسان بأن لا مخرج ممكناً من ضائقته، يرتفع مستوى الخطر.

لفهم هذا التفاعل على مستوى المجتمع، من المفيد الاستعانة بمفهوم العنف البنيوي.

العنف البنيوي لا يعني العنف الجسدي المباشر، بل يشير إلى أشكال الأذى المتجذّرة في البُنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حين تؤدي الترتيبات المؤسسية إلى تقليص الوصول إلى الموارد والفرص والحماية اللازمة لصون الكرامة الإنسانية. إنه عنف صامت يتراكم ببطء، عبر قرارات وسياسات قد تبدو تقنية أو مالية، لكنها تمسّ في جوهرها الاستقرار الإنساني.

القانون الدولي لحقوق الإنسان يعترف بأن الكرامة لا تتحقق فقط بغياب القمع، بل بضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. فبموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية — الذي انضم إليه لبنان — تلتزم الدولة بالإعمال التدريجي لحقوق أساسية، منها:

      •     الحق في العمل

      •     الحق في شروط عمل عادلة

      •     الحق في الضمان الاجتماعي

      •     الحق في مستوى معيشي كافٍ

      •     الحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية

ويكتسب هذا النقاش بعداً قانونياً إضافياً في ضوء مبدأ عدم التراجع في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

فأي تدابير تؤدي إلى تقليص مستوى الحماية المتحقق سابقاً لا تكون مقبولة إلا بشروط صارمة تضمن الضرورة والتناسب وعدم تحميل الفئات الأكثر هشاشة عبئاً غير متكافئ. إن تراجع الحماية الاجتماعية لا يُحدث فقط خللاً اقتصادياً، بل يولّد أثراً نفسياً عميقاً يتمثل في تضاعف الشعور بالعجز وفقدان الأمان.

غير أن ما يتجاوز النصوص القانونية هو المبدأ الأعمق الذي تقوم عليه منظومة حقوق الإنسان برمّتها: الكرامة الإنسانية.

الكرامة ليست امتيازاً تمنحه السلطة، بل قيمة أصيلة ملازمة للإنسان بحكم إنسانيته. وهي تُعدّ في الفقه الحقوقي المعاصر مبدأً تأسيسياً يعلو على سائر الاعتبارات التنظيمية أو الاقتصادية. فحيث تُمسّ الكرامة — من خلال الإفقار الممنهج، أو انعدام الحماية، أو تقويض القدرة على العيش الكريم — يتزعزع الأساس الأخلاقي للنظام العام.

في مجتمعات يُربط فيها مفهوم الرجولة بالقدرة على الإعالة وتحمل المسؤولية، قد يؤدي الشلل الاقتصادي إلى زعزعة عميقة في تقدير الذات. بالنسبة إلى كثير من الشباب، يتحول العجز عن أداء الدور الاجتماعي المتوقع إلى أزمة وجودية. هذا ليس ضعفاً فردياً، بل استجابة إنسانية مفهومة لضغط بنيوي مستدام.

السياسات العامة ليست محايدة نفسياً.

الخيارات الاقتصادية تعيد تشكيل المناخ العاطفي للأمة.

عندما يُطلب من المواطنين امتصاص صدمات متكررة من دون شبكات أمان كافية، يتراجع الإحساس بالحماية. وعندما يصبح عدم اليقين حالة دائمة، ينكمش الأفق المستقبلي. وعندما تتآكل الكرامة، يضعف الأمل.

لذلك، فإن الوقاية من الانتحار لا يمكن أن تقتصر على التدخلات العلاجية. هذه ضرورية لكنها غير كافية. الوقاية الحقيقية تستلزم أيضاً:

      •     سياسات تصون الكرامة الإنسانية

      •     مسارات واقعية لتمكين الشباب اقتصادياً

      •     شبكات أمان اجتماعي فعالة

      •     شفافية ومساءلة تعيدان بناء الثقة

      •     التزاماً فعلياً بإعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية دون تراجع

الصحة النفسية ليست مسألة فردية معزولة، بل مرآة لعدالة البنية الاجتماعية.

السؤال ليس ما إذا كان الأفراد هشّين.

السؤال هو ما إذا كانت منظومتنا العامة تحمي الكرامة التي تُبقي الأمل حيّاً — أم تسمح بتآكلها بصمت.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: