خطر "العسكرة" والمقاومة الدائمة

hezeb

ليس في تاريخ المقاومات، وما أكثرها، مقاومة بدأت كمشروع دائم. ولا بين أعظم الثورات واحدة أصرت على أن تبقى ثورة دائمة بدل أن تبني دولة، بصرف النظر عن دعوة تروتسكي إلى "الثورة الدائمة" وخسارته أمام بناء الدولة السوفياتية. فكل مقاومة وطنية أو إتنية أو دينية جاءت من أجل قضية مثل إزالة احتلال أو التخلص من سلطة ظالمة أو العمل لتغيير النظام أو من أجل حق تقرير المصير وإقامة كيان مستقل. وهي تنتهي عند تحقيق أهدافها.

أما "المقاومة الإسلامية" التي أقامتها إيران في لبنان وسوريا والعراق وبلدان أخرى، فإنها تتصرف على أساس أنها مشروع دائم. مقاومة لا تنتهي إذا حققت أهدافها المعلنة، ولا إذا فشلت في تحقيق الأهداف. وهي حسب، تعبير الشيخ نعيم قاسم، "ليست موجودة بفعل الظرف بل بفعل

المبدأ، والمبدأ لا ينتهي ولا يتغير ولو تغيّرت الظروف". ومن هنا حتمية الصراع الدائم. فالخطر الإسرائیلي دائم. وخطر الإمبريالية الأميركية دائم. ولن تنتهي "المقاومة الإسلامية" ولو حررت فلسطين، وطردت الوجود العسكري الأميركي من الشرق الأوسط، وأقامت "الشرق الأوسط الإسلامي" بقيادة إيران. ولا إشارة إلى خط النهاية قبل عودة الإمام الغائب وتأليف "حكومته العالمية". والسؤال ليس "عسكرة الشيعة" إلى أين بل أين تبدأ وتنتهي ترجمة هذه العسكرة إلى أوضاع سياسية وحقائق استراتيجية. والجواب على الأرض. فالفصائل الإيديولوجية المسلحة التي هي أداة العسكرة وحماية الجمهورية الإسلامية، كانت في حسابات طهران "أعظم إنجاز لثورة الإمام الخميني" حسب صحيفة "كيهان" المقربة من المرشد الأعلى علي خامنئي. وهي اليوم في أوضاع صعبة في لبنان والعراق. وما عاد لها مكان في سوريا. والرهان على الحوثيين في صنعاء بعد "استيلاء" أميركا وإسرائيل على غزة ونزع سلاح "حماس والجهاد الإسلامي" هو أقرب إلى العالم الافتراضي منه إلى العالم الواقعي. والمشروع الإقليمي الإيراني في حال انحسار بعد حروب غزة ولبنان وإيران على الطريق إلى تهديد أميركي وإسرائيلي بضربة كبيرة تهز النظام الإيراني تمهيدًا لإسقاطه.

والأحاديث عن "خطر وجودي" على الشيعة في لبنان هي مجرد أوهام. وإذا كان هناك خطر وجودي، فإنه على كل الطوائف اللبنانية القادرة على رده. أما الخطر الظاهر، فإنه على سلاح "حزب الله" الذي صار مصدر الخطر، لا على الطائفة الشيعية الكبيرة والقوية في إطار التوازن اللبناني. والوقت حان لكي يدرك "الحزب" وسواه أن "عسكرة" الشيعة لا ترد الخطر الإسرائيلي، ولا هي الباب لتحرير فلسطين، ولا الأداة لحكم لبنان أو للحصول على مكاسب إضافية فيه أو لإجراء تعديل في الأدوار داخل النظام الطائفي، ولا هي بالطبع بداية الطريق إلى الدولة المدنية التي تكثر مطالبات الطوائف بها كلما صارت محشورة .

ولا بد من شيء من التواضع بعد طول استكبار وتنمر واتهام المرتبطين بإيران للمسؤولين في الدولة وأكثرية اللبنانيين بـ "الخيانة الوطنية وخدمة إسرائيل". فالمقاومة الإسلامية ليست مركز الدائرة في لبنان والمنطقة. وتصنيف المواقف لن يكون من منظار المواقف من "حزب الله" بدل منظار المواقف من لبنان ومصلحته الوطنية العليا. والشرعية أقوى من الجميع، مهما تكن المصاعب أمام قدرة الدولة على حماية البلد وضمان الحياة الكريمة للمواطنين .

و"المسألة ليست أن ترسم البروليتاريا أهدافها بل ما المفروض تاريخيً أن تنجزه البروليتاريا" كما قال ماركس.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: