أطل رئيس مجلس الوزراء نواف سلام أمس من بنت جبيل ليعلن انطلاق مرحلة إعادة الجنوب إلى الحياة بعدما كاد أن يلفظ أنفاسه نهائيًا في الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل. كان نائب "حزب الله" حسن فضل الله حاضرًا خلال زيارة رئيس الحكومة للمدينة، فأعلن أنه سبق للأمين العام السابق للحزب حسن نصرالله أن كان في المكان في أيار عام 2000. وقال فضل الله في المناسبة: "تحرَّرت الأرض بقيادة حامل راية نصرهم وعزِّهم وكرامتهم السيد حسن نصر الله، فزرعها على الحدود، وهنا في بنت جبيل، يوم جاءها محمولًا على عرش القلوب، وأهدى النصر لكلِّ لبنان".
بدا واضحًا أن فضل الله الذي هو ابن بلدة عيناتا المجاورة لبنت جبيل، حاول أن يقلّل من أهمية الزيارة التاريخية لرئيس حكومة لبنان لمنطقة بقيت لعقود ولاسيما منذ العام 1969، تاريخ ابرام اتفاقية القاهرة، بإمرة غير لبنانية فتعدّدت أسماء الآمرين فكانت فلسطينية ثم إسرائيلية ثم إيرانية، الى ان جاء زمن الأمر اللبناني بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 بين لبنان وإسرائيل.
وقف نصرالله في 26 أيار عام 2000 في مهرجان مدينة بنت جبيل تحت عنوان "الإنتصار الأول على العدو الصهيوني واندحاره من الأراضي اللبنانية". وأعلن في كلمته عبارته المشهورة: "إنّ إسرائيل هذه التي تملك أسلحة نووية وأقوى سلاح جو في المنطقة، والله هي أوهن من بيت العنكبوت!" وقال: "التهديد والوعيد الإسرائيلي لا نخاف منه اليوم... هم الخائفون على امتداد هذه الحدود وهذا الشريط. لقد خافوا من بعض النساء والأطفال الذين يقفون على الحاجز الحديدي... يخافون من حجر يرمى عليهم... أنتم الآن هنا في بنت جبيل آمنون سعداء، وهم على امتداد مستعمرات شمال فلسطين المحتلة خائفون ومرتعبون أمام المستقبل المجهول... لقد انتهى الزمن الذي كنا نخاف فيه من التهويل والتهديد الإسرائيلي، وهو يعرف أن الزمن الذي كانت فيه تستبيح طائراته سماءنا قد ولّى، وأن الزمن الذي كانت تستبيح دباباته أرضنا قد ولّى، وأن الزمن الذي كانت تستبيح فيه زوارقه مياهنا الإقليمية قد ولّى، وإنّ أي اعتداء على لبنان لن يقابَل بشكوى إلى مجلس الأمن (من مجلس الأمن هذا؟!) ولا بالدموع... لن يقابَل إلا بالمقاومة... "إسرائيل" إذا اعتدت على لبنان ستدفع أثماناً غالية".
مرّ 24 عامًا كي يدرك لبنان عمومًا والجنوبيون خصوصًا، أن "حزب الله" بصفته فصيلًا في "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني زرع أوهامًا فكان الحصاد خرابًا لم يشهد له الجنوب مثيلًا من أقدم العصور. وذهب نصرالله بنفسه ضحية الوهم الإيراني في أعماق ملجئه في الضاحية الجنوبية لبيروت.
في المقابل، أعلن أمس الرئيس سلام من بنت جبيل أن زمن الوهم الإيراني قد ولّى إلى غير رجعة، وجاء زمن الدولة مجددًا التي كانت ولا تزال الملاذ الآمن كي يطمئن الجنوبيون الى مصيرهم. وأعلن في هذا السياق عن إطلاق عدد من مشاريع إعادة الإعمار بعد تأمين التمويل اللازم، سواء من الموازنة العامة أو عبر قروض ميسّرة بقيمة 250 مليون دولار من البنك الدولي، إضافة إلى 75 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية، فضلًا عن 35 مليون يورو على شكل منح من الاتحاد الأوروبي وفرنسا والدنمارك لدعم التعافي الاقتصادي، مع تركيز خاص على القطاع الزراعي والتعاونيات الزراعية. وقال: "سنخصص من قرض البنك الدولي مبالغ لقضاء بنت جبيل لترميم الطرقات وجزء من البنى التحتية والمحولات الكهربائية وسنؤمن محطة ضخ للمياه وترميم مدارس". وتعهد سلام بمشاريع مماثلة في كل المحطات الجنوبية التي بدأت في صور وانتهت في عيترون، على أن يستكمل اليوم جولته الجنوبية في قضاءي حاصبيا ومرجعيون، كما سيشارك بعدها في افتتاح "سوق عالبيدر" المؤقت في مدينة النبطية. وأكد سلام أنه سيقوم بجولة مماثلة للجنوب قريبًا لمتابعة تنفيذ هذه المشاريع على أرض الواقع.
كيف تعامل إعلام "حزب الله" أمس مع جولة رئيس الحكومة؟ أتى الجواب في مقدمة النشرة الرئيسية لقناة "المنار" التابعة للحزب: "باسم ترابِ الجنوب ألقت صور وطير حرفا ويارين وبنت جبيل وعيترون ورميش وعين إبل وعيتا الشعب بغضبها وعتبِها على مسمعِ الرئيسِ الزائر، مطالبةً إيّاه ببذلِ أقصى الجهودِ لوقف الاعتداءات وحماية المواطن والوقوف أمامَه سدًّا بوجه التحديات ولو لمرةٍ حاسمة.
وبين بدايةِ جولته وانتهائِها، فاضت سلةُ رئيسِ الحكومة بالكثير من أسئلة الجنوبيين شعبًا ومؤسسات وسياسيين: هل ستكونُ زيارتُه التي تُستكمل غدًاً (اليوم) مدخلًا لتسريعِ الإعمار رغمَ استمرار الاعتداءات؟ هل ستُترجم موقفًا رسميًا أكثر صلابة في مواجهة الاحتلال؟ وهل ستنتقل الحكومة من معاينة الألم إلى العمل على رفعِه ومنع الاستباحة الصهيونية؟
في المنطقةِ المستباحةِ أميركيًا وصهيونيًا، سجلت الجمهورية الاسلامية في ايران هدفًا نوعيًا في المرمى الأميركي مع انتهاءِ الجولةِ التفاوضية في مسقط الى الاتفاق على عقد جولة أخرى يحددُ موعدُها لاحقًا." وهكذا لم يفت إعلام "حزب الله" أن يؤكد أن الهمّ الإيراني حاضر أيًا كانت هموم لبنان.
في المقابل، رحّب مساء أمس "تجمّع أبناء البلدات الجنوبية الحدودية"، في بيان، بـ"زيارة رئيس الحكومة القاضي نوّاف سلام إلى الجنوب والى القرى الحدودية بالذات، وبزيارة كل مسؤول إلى هذه المنطقة المنكوبة المدمرّة والتي ما زالت تعاني ويلات الحرب منذ اكثر من سنتين، ممّا يشكّل عامل اطمئنان وأمل للأهالي بوجود اهتمام ورعاية من الدولة لهذه المنطقة وأهلها".
إذًا، خرج سلام أمس مع الوفد الوزاري إلى الضوء في عمق الجنوب المنكوب ليقول إن رحلة بناء المكان انطلقت، في وقت ما زال من تبقى من جماعة نصرالله في المخابئ البعيدة عن الجنوب يطلقون الوعيد من باطن الملاجئ والتأكيد بأنهم على عهد المرشد الإيراني باقون.
علم أمس اللبنانيون عمومًا والجنوبيون خصوصًا من هو اللبناني ومن هو الإيراني.